مقالات و رأي

عيدنا في تفاصيلنا

✍🏻 منـيرا العـتيـبي – كاتبة سعوديـة
تمضي الأعوام، وتتبدل المواعيد، وتبقى الأعياد علاماتٍ ثابتة في ذاكرة الإنسان. ومع ذلك، فالعيد ليس تاريخًا نترقبه في التقويم، ولا إجازة نعبرها سريعًا؛
بل شعور يتكوّن بهدوء من تفاصيل صغيرة لا تلفت انتباهنا كثيرًا في الأيام العادية، ثم تكتسِب في العيد معناها الكامل.

وبينما تتجه القلوب إلى المناسك العظيمة في مكة المكرمة، تنبض داخل البيوت طقوس أخرى من الفرح الهادئ؛ فجر مختلف، رائحة بخور تعبُر المكان، وتكبيرات تترك في النفس ذلك الإحساس المتجدد بأن لهذا اليوم هيبته الخاصة.

في صباح العيد، لا يحتاج الفرح إلى الكثير؛ فنجان قهوة تفوح منه رائحة الهيل، ضحكات أطفال تسبق خطواتهم، وأيدٍ تمتد بالمحبة قبل أن تمتد بالعيديات.
لحظات بسيطة، لكنها تذكّرنا بأن قيمة العيد لا تُصنع بالمظاهر، بل بالقرب الإنساني الذي يمنح البيوت دفئها، ويمنح اللحظات العادية وزنًا لا تملكه وحدها.

العيد الحقيقي ليس في ثوب جديد بقدر ما هو في وجهٍ افتقدناه ثم عاد، وفي قلبٍ ظل يعرف طريقه إلينا رغم المسافات والانشغالات، وفي جلسة عائلية تتكرر فيها الحكايات نفسها، لكنها لا تفقد قدرتها على جمع القلوب حولها.

لكن العيد لا يصل الجميع بالطريقة نفسها. فبينما تمتلئ بعض البيوت بالوجوه والأصوات،
يستقبله آخرون في وحدتهم؛ مغتربو الجغرافيا، ومغتربو الروح، وقلوبٌ أثقلتها المسافات والقطائع. ومع ذلك،
يصنعون للعيد تفاصيله الخاصة؛ فنجان قهوة على مهل، رسالة معايدة، دعاء طويل، ومحاولة صادقة لأن يبقى للحياة طعمها الجميل.
فعيدهم أيضًا في تفاصيلهم التي يصنعونها لأنفسهم.
يعظّمون شعيرة الفرح بقدر ما يستطيعون، ويحملون رجاءً هادئًا بأن ما أثقلته الحياة قادرٌ الله على تخفيفه.

هذه هي الأشياء التي تبقى. لن نتذكر بعد سنوات شكل الموائد، ولا ما ارتديناه في صباحات العيد، لكننا سنتذكر الدفء الذي مرّ بأرواحنا؛ في لقاء أعاد شيئًا من الطمأنينة، أو رسالة جاءت في وقتها، أو لحظة فرح صغيرة جعلت اليوم أخفّ مما كان.

وربما لهذا يكون العيد، في جوهره، تذكيرًا لطيفًا بأن أجمل ما في الحياة لا يعيش في المناسبات وحدها،
بل في التفاصيل التي نصنعها مع من نحب…
أو نصنعها لأنفسنا حين يضيق المكان، وتثقل الروح، ونختار — رغم كل شيء — ألا تنطفئ فينا القدرة على الاحتفاء بالحياة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى