التطوع

الدكتور/ محمد أديب محمود عبد السلام
بروفيسور في الإعلام الحديث
قبل أن أتحدث عن التطوع، لا بد أن أتوقف عند النجاح الباهر والإنجاز العظيم والعطاء الذي لا مثيل له، والذي تحقق في موسم الحج هذا العام بفضل الله ثم بجهود جميع القائمين على خدمة ضيوف الرحمن.
ابتداءً من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مرورًا بكافة قطاعات الدولة التي أبدعت وقدمت ملحمة وطنية مشرّفة في خدمة الحجاج.
ولا أستطيع أن أغفل دور أي قطاع من هذه القطاعات؛ من وزارة الداخلية، وإمارات المناطق، ووزارة الحج والعمرة، ووزارة النقل والخدمات اللوجستية، ووزارة الصحة، وقطاعات الكهرباء والمياه، والهلال الأحمر، ووزارة الشؤون البلدية والقروية، وهيئات التطوير، وشركات الخدمات، ووسائل النقل الحديثة التي أسهمت في تسهيل حركة الحجاج وخدمتهم بأعلى مستويات الجودة.
لقد رأينا كيف ينتقل الحاج من لحظة وصوله حتى استقراره في مقر سكنه بكل يسر وسهولة، وشاهدنا تطورًا هائلًا في البنية التحتية والتقنيات الحديثة التي اختصرت الجهد والوقت، وجعلت ما كان يحتاج إلى سنوات من التطوير يتحقق في أيام وساعات.
كما شاهدنا عطاء رجال الأمن وتفانيهم في خدمة القاصدين، حتى أصبح هذا النجاح محل إشادة العالم أجمع، مصداقًا للمقولة: “والفضل ما شهدت به الأعداء”.
أما التطوع، فقد قال الله تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، وقال النبي ﷺ: «خير الناس أنفعهم للناس».
وما رأيناه في موسم الحج هذا العام في مجال التطوع يعد صورة مشرقة ومشرفة، بل ملحمة من أجمل صور البذل والعطاء. فقد برزت فلسفة جديدة في العمل التطوعي، تؤكد أن المملكة أصبحت نموذجًا عالميًا ليس فقط في إدارة الحشود والتفويج، بل أيضًا في تنظيم وتفعيل العمل التطوعي.
لقد امتزجت جهود الجهات الحكومية الخدمية مع فرق المتطوعين التابعة لها في صورة متكاملة، فرأينا الكشافة، ومتطوعي الهلال الأحمر، ومتطوعي الصحة، وموزعي المياه والوجبات، وغيرهم من مقدمي الخدمات، يعملون جميعًا بروح واحدة وهدف واحد، ابتغاء مرضاة الله وخدمة ضيوف الرحمن.
وهذا العطاء يستحق كل التقدير والثناء، وقد جسّد ذلك سمو ولي العهد عندما أشاد بالمتطوعين وحيّا جهودهم، تقديرًا لما قدموه من خدمات جليلة للحجاج.
إن هؤلاء المتطوعين لا ينتظرون جزاءً ولا شكورًا، وإنما يسعون إلى الأجر والثواب. ولذلك نقول لهم: جزاكم الله خيرًا، فقد قال النبي ﷺ: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له».
لقد قدم المتطوعون والمتطوعات صورة مشرقة للمواطن السعودي المعطاء، رجالًا ونساءً، وأثبتوا أن خدمة ضيوف الرحمن شرف يعتزون به، ورسالة يؤدونها بإخلاص وتفانٍ.
كما أثبتت مختلف الأجهزة والقطاعات، وخصوصًا الأجهزة الأمنية، تميزها وريادتها في هذا المجال، وكان المتطوعون الكفة الأخرى التي أكملت لوحة النجاح، بعطاء غير محدود لخدمة الوطن وراحة الحجاج وإرشادهم وتقديم العون لهم دون مقابل.
والحمد لله أن هذه النجاحات جاءت ثمرة خطط مدروسة ورؤى طموحة، فقد كان المستهدف الوصول إلى مليون متطوع ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، واليوم تجاوز العدد مليونًا ونصف المليون متطوع، بعد برامج تدريب وتأهيل وتمكين، وساعات عمل وجهد لا يُحصى.
إن ما يحدث في السعودية اليوم هو نموذج للجمال والكمال والإبداع، ويستحق من الجميع رفع القبعة والتقدير لكل من ساهم وعمل بإخلاص لخدمة الحجيج والوطن.



