مقالات و رأي

*الأرشيف الذي لا يراه أحد الرسائل التي لم نرسلها… لمن كانت مكتوبة حقًا؟

✍🏻مـنيـرا الـعتيبي – كـاتبة سـعودية

كل إنسان يملك أرشيفًا لا يراه أحد.
ليس في درج مكتبه، ولا في هاتفه، ولا في بريده الإلكتروني.
بل في الرسائل التي كتبها، ثم تراجع قبل أن يضغط زر “ إرسال”

رسائل لمديرٍ ظلمه، أو صديقٍ خذله، أو عميلٍ أرهقه، أو قريبٍ جرحه، أو حتى لنفسه في ليلةٍ كان الغضب فيها أعلى من الحكمة.
نظن أن هذه الرسائل بقيت لأنها لم تصل إلى أصحابها.
لكن الحقيقة أنها بقيت؛ لأنها لم تكن تنتظرهم…
بل كانت تنتظر أن نفهمها.

كنت أظن أنني أكتب تلك الرسائل لأقول للآخرين ما عجزت عن قوله في وجوههم.
ثم اكتشفت بعد سنوات أن كل رسالة كانت تحمل عنوانًا خاطئًا.
فالرسالة التي كتبتها للعميل الذي لم يُقدّر عملي …
لم تكن تقول له: لقد ظلمتني.
كانت تقول لي: تعلّمي أن تضعي حدودك منذ البداية.
والرسالة التي كتبتها لمديرٍ استولى على جهدي …
لم تكن تطالبه بالإنصاف.
كانت تقول لي: احفظي حقك قبل أن تطالبي به.
والرسالة التي كتبتها لصديقٍ غادر في أول اختبار …
لم تكن تبحث عن اعتذار.
كانت تقول لي: أعيدي النظر فيمن تمنحينهم مكانًا في حياتك.
حتى الرسائل التي كتبتها وأنا أعاتب نفسي…
لم تكن تدينني.
كانت تحاول أن تنقذني.

لهذا لم أعد أقرأ الرسائل القديمة بالطريقة نفسها.
و لم أعد أبحث فيها عن أخطاء الآخرين.بل عن الدرس الذي تأخرت في فهمه.
فكل رسالة لم تُرسل كانت تخفي خلف غضبها حقيقةً واحدة:
” أن المشكلة التي أكتب عنها قد انتهت “
لكن الدرس الذي جاءت لتعلمني إياه لم أكن قد فهمته بعد.

ولهذا أيضًا نحتفظ بهذه الرسائل.
ليس لأننا نعجز عن النسيان. ولا لأننا ننتظر فرصةً متأخرة لإرسالها.
بل لأن جزءًا منا يخشى أن ينسى الألم قبل أن يفهم معناه.
فنحتفظ بها كما يحتفظ الطالب بدفتر أخطائه؛ لا ليكررها، بل حتى لا يقع فيها مرةً أخرى.
غير أن كثيرًا منا يحتفظ بالرسالة… وينسى الدرس فيعيد كتابة الرسالة نفسها، مع أشخاصٍ مختلفين، في كل مرحلةٍ من حياته.
يتغير الاسم… ويبقى النص.

النضج لا يعني أن تمزق تلك الرسائل.
ولا أن ترسلها بعد سنوات.
بل أن تصل إلى يومٍ تقرؤها فيه، فلا تشعر برغبةٍ في الدفاع عن نفسك، ولا في مهاجمة أحد.
تقرأها بهدوء، ثم تبتسم لأنك أدركت أخيرًا ما كانت تريد أن تقوله لك منذ البداية.

عندها فقط تكتشف أن الرسالة لم تكن تنتظر صندوق بريد…
كانت تنتظر نسخةً أكثر نضجًا منك.

لذلك…
لا تمزق رسائلك القديمة.
ولا ترسلها.
فقط اقرأها كل عدة أعوام.
ليس لتعرف من كان المخطئ…
بل لتعرف ماذا كان عليك أن تتعلم.

فبعض الرسائل لم تُكتب لتصل إلى الآخرين…
بل كُتبت لتصل إلينا حين نصبح مستعدين لفهمها

لقد كانت… مؤجلة الفهم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى