أسياد النوايا خلف الشاشات
د. شاكر محجوب
تجلسُ المثاليةُ زاهدةً خلفَ شاشاتِ الكلام، ترفعُ شعارَ “دعِ الخلقَ للخالقِ” كرايةِ سلامٍ بيضاء، بينما يداها خلفَ الستارِ مغروستانِ في تفاصيلِ العابرين. إنه الفصامُ الاجتماعيُّ الأنيق، حيثُ يرتدي الفضولُ ثوبَ الواعظ، وتتحولُ حياةُ الآخرين إلى مسرحٍ مفتوحٍ للتشريحِ والتقييم. يتحدثونَ عنِ الزهدِ في شؤونِ الناسِ بلسانٍ صَارم، لكنّ عيونَهم ترصدُ حركةَ الجار، وتَحصي عثراتِ الصديق، وتُفتشُ في نوايا الغريب.
يُطلقونَ العبارةَ الحكيمةَ لتهدئةِ ضمائرِهم، ثم يلتفتونَ لينصبوا محاكمَ التفتيشِ اليوميةِ في مجالسِهم، مستبيحينَ خصوصياتٍ لا تخصّهم، وهاربينَ من فوضى بيوتِهم الداخليةِ لترتيبِ حيواتِ الآخرين وفقَ مقاييسِهم الضيقة. وقد وجدت هذه الوصايةُ ملاذاً أرحبَ في فضاءِ التواصلِ الاجتماعي، حيثُ تحولتِ الحساباتُ الشخصيةُ إلى ساحاتِ حربٍ ومنابرَ للقضاءِ غيرِ المؤهل؛ فيكتبونَ الشعارَ في واجهةِ صفحاتِهم “البايو”، وفي التعليقاتِ يمارسونَ أبشعَ أنواعِ التطفل، يحللونَ الصور، ويحاكمونَ النوايا، ويوزعونَ صكوكَ الغفرانِ والاتهامِ بلمسةِ زر، كأنما منحتهم الشاشةُ الزرقاءُ حصانةً لنهشِ حرياتِ العباد. في النهاية، يبقى الشعارُ مجردَ قناعٍ زائف، يختبئُ خلفه تطفلٌ بائسٌ يعجزُ عنِ الالتفاتِ إلى ذاته.



