مقالات و رأي

“كما تدين تدان”

روافد : اعتماد عبد الملك شاهين

من الصعب أن ينسى أحدٌ منزلة الجدة ذلك المكان الذي تختلط فيه رائحة الحنان بعبق الذكريات حيث تجتمع الأسرة حول مائدة عامرة بالمحبة قبل الطعام وحيث تتسلل أشعة الشمس من نوافذ المنزل لتمنح المكان دفئًا لا يشبه أي دفء آخر. في بيت الجدة تُصنع الذكريات الجميلة وتُحفظ الحكايات، وتنمو روابط الأسرة جيلاً بعد

حين تزرع الأم الكراهية في نفوس أبنائها تجاه الجدة

وجود الأجداد في حياة الأحفاد كنز تربوي وإنساني لا يُقدّر بثمن. فالعلاقة بين الجد أو الجدة والحفيد علاقة فريدة تجمع بين الحكمة والبراءة وبين الخبرة المتراكمة والعاطفة الصادقة وتمنح الطفل شعورًا بالأمان والانتماء لا يمكن تعويضه.
لكن هذا الكنز قد يتعرض للتآكل عندما تتحول الخلافات الأسرية إلى وسيلة لتشكيل مشاعر الأبناء تجاه أجدادهم فتبدأ بعض الأمهات
بقصد أو دون قصد بزرع مشاعر النفور أو الكراهية في نفوس أبنائهن تجاه جدتهم من خلال الانتقاد المستمر أو نقل الخلافات العائلية أمامهم
أو تصوير الجدة بصورة سلبية تفتقد للإنصاف.
ومع تكرار هذه الرسائل تتشكل في أذهان الأطفال صورة مشوهة عن الجدة فيكبرون وهم يحملون مشاعر الجفاء والبعد عنها رغم أنها قد تكون مصدرًا للحنان والدعاء والعطاء غير المشروط. وهنا لا يخسر الأحفاد علاقتهم بجدتهم فحسب
بل يخسرون جزءًا مهمًا من هويتهم الأسرية وامتدادهم العائلي.
لقد حث ديننا الإسلامي على صلة الرحم وبر الوالدين والإحسان إلى كبار السن
وجعل ذلك من أعظم القربات إلى الله.
والجدة ليست مجرد فرد في الأسرة بل هي أمٌ لها حق الاحترام والتقدير ومكانتها محفوظة شرعًا وأخلاقًا وإنسانيًا.
والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الأبناء يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعونه.
فالطفل الذي يشاهد أمه تسيء إلى والدتها أو تقلل من شأنها قد يتبنى السلوك ذاته مستقبلاً. وكما يقول المثل: «كما تدين تُدان».
فما تزرعه الأم اليوم في نفوس أبنائها تجاه جدتهم قد تحصده غدًا عندما تصبح هي في موضع الجدة.
إن الخلافات العائلية أمر طبيعي في كل أسرة
لكن النضج والحكمة يقتضيان ألا يكون الأبناء طرفًا فيها أو أداة لنقل المشاعر السلبية. فالمسؤولية التربوية تحتم على الوالدين حماية قلوب أبنائهم من الكراهية وتعليمهم الاحترام والتسامح وصلة الرحم مهما كانت الظروف.
ختامًا تبقى الجدة ذاكرة الأسرة النابضة ، ومصدرًا للدفء والحنان، وجسرًا يصل الماضي بالحاضر.
وحين نحافظ على مكانتها في نفوس أبنائنا فإننا لا نحمي علاقة أسرية فحسب، بل نحافظ على قيم الرحمة والبر والوفاء التي يقوم عليها المجتمع المتماسك. فالأسر التي تُربّي أبناءها على احترام أجدادهم تزرع بذور الخير التي ستثمر محبةً وتراحمًا عبر الأجيال.
الأجداد في حياة الأحفاد.. كنز تربوي لا ينبغي التفريط فيه ، فما تزرعه الأم في أبنائها تجاه جدتهم تحصده مستقبلًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى