مقالات و رأي

بنت أبيها ..

الدكتورة : إيمان حماد الحماد
بنت النور

بنت أبيها .. عِبَارَةٌ قَصِيرَةٌ، تَتَرَدَّدُ عَلَى الأَلْسُنِ، فَنَشعُرُ لَهَا بِالفَخرِ، وَننعش بها القلب .
وَإِنْ كَانَ كُلُّ أُنْثَى لِأَبِيهَا تنْسَبُ، فأين يكمن العجب ؟؟ وما السبب ؟
فَمَا لِهَذِهِ العِبَارَةِ مِنْ سِرٍّ عذب و يُطْرب؟

كلُّ فتاةٍ تنتسبُ إلى أبيها نسباً، لكنْ ليسَ كلُّ فتاةٍ تحملُ أباها قلباً وأدباً.
النسبُ في الدمِ قَدَر، والشَّبَهُ في الرُّوحِ خَبَر.

فحينَ تقولُ العربُ: “بنتُ أبيها”، لا تعني مَن وُلِدَتْ له،بل مَن وَرِثَتْهُ خَلْقَا وخُلُقا .
الأبُ في هذه العبارةِ ليسَ رجلاً يُعيل، بل قدوة بها الحديث يَطولُ ، ونبال عند الصعاب تصول ، ودرع حامية حسب الأصول ، تفعل أكثر مما تقول .
هو الكلمةُ المصونة، والهِمَّةُ المكنونة، والشَّهامةُ التي لا تُعلَن لكنَّها تُرى.
بنت أبيها …
لَيْسَ المُرَادُ أَنَّكِ مِنْ صُلبِهِ.. فَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ،
بَلْ أَنَّكِ مِنْ نُورِهِ.. وَمِنْ طِيبِهِ.. وَمِنْ عِزِّهِ المَهْضُومِ.
هِيَ نُبْذَةُ مَدْحٍ، تُقَالُ عِنْدَ تَمَاثُلِ الطِّبَاعِ،
عِنْدَمَا تَجْرِي مَحَاسِنُ الأَبِ فِي وَرِيدِ الابْنَةِ سَاعَةَ الإِبْدَاعِ .

يَقُولُونَ «بِنْتُ أَبِيهَا» وَمَا عَنَوْا النَّسَبَا
بَلْ شَابَهَتْهُ فِي الفَضَائِلِ وَالأَدَبْ
إِذَا الأَبُ كَانَ لِلْمَكَارِمِ مَوْئِلًا
فَابْنَتُهُ تَحْمِلُ مِنْ مَجْدِهِ مَا وَهَبْ
تَرَى فِيهَا شَمَائِلَهُ إِذَا تَكَلَّمَتْ
وَفِي فِعْلِهَا مِرْآةُ الخُلُقِ المُحْتَسَبْ
كَأَنَّ أَبَاهَا زَرَعَ الطِّيبَ فِي أَعْمَاقِهَا
فَنَمَتْ زَهْرَةً تُشبِهُ الأَصْلَ لَمْ تَغِبْ
هِيَ الرُّوحُ مِنْهُ سَرَتْ فِي شريانها
فَصَارَتْ «بِنْتَهُ» فِي العِزِّ.. لَا فِي النَّسَبْ ..

فإذا قيلَتْ في فتاةٍ هذه الكلمة، فمعناها: إنَّ أباها كانَ أمَّةً، وإنَّها كانَتْ خلاصةَ تلكَ الأمَّة.
وللعبارةِ سِرٌّ أعمق:
الابنُ يَرِثُ اسمَ أبيه بلا اختيار، أمَّا البنتُ فتَرِثُ روحَهُ بالإصرار.
في مجتمعاتٍ حَجَبَتِ المرأةَ عن الميراثِ المادي، كانَ الشَّبَهُ الخُلُقيُّ أعلى مِيراثٍ ونادي.
فحينَ تَشِبُّ الفتاةُ بشجاعةَ أبيها، وتحملُ وَقارَهُ وتُذكِّرُ الناسَ بنبلِهِ وسجاياه،
يَعيشُ الأبُ فيها مرَّتَيْن:
مرَّةً في قبرِه، ومرَّةً في خُطاها.
ولهذا نفرحُ حينَ نسمعُها، لأنَّها لا تصِفُ شَكلاً، بل تُثبِتُ فِعلاً.

عِنْدَمَا تُوصَفُ الفَتَاةُ بِأَنَّهَا «بِنْتُ أَبِيهَا»،
فَهَذَا أَسْمَى مَا يُقَالُ مِنْ وَصْفٍ و ثناء.
وهُوَ أَنَّهُ خَلَّفَ فِيهَا مَجْدَهُ وَمُرُوءَتَهُ،
فَصَارَتْ هِيَ بَعْدَهُ شُعَاعَهُ وَله ضِيَاء .

كَانَ عِزًّا، فَكَانَتْ هِيَ بُنْيَانَهُ.
كَانَ كَرَمًا، فَكَانَتْ هِيَ رَيحَانَهُ.
كَانَ شَمْسًا، فَكَانَتْ هِيَ شُعَاعَهُ.

ولا تعني: ” تعيش في قلبه ، أو تشبهُهُ فقط في الملامح “،
بل: “تمشي على دربِهِ ، وكأنها فرس جامح”.
وما أعسرَ أنْ يُقالَ هذا، وما أجمله حينَ يُقال!
فهي شهادةٌ لا تَصدُرُ عن سِجِلٍّ، بل عن مشاهدةٍ ومآل.
ثمَّ إنَّ في العبارةِ وفاءً مُضمَراً، فكأنَّ الناسَ يقولونَ للأبِ الغائب: لم تَذهَبْ.
وكأنَّهم يقولونَ للبنتِ الحاضرة: ذكر والدك لم يُحجب.
وفي هذا التبادُلِ الصامتِ بينَ الغيابِ والحضور، تكمُنُ دِفءُ العبارةِ ونورُها المستور.

هيَ لم تَرِثْ سِوى الوَقارِ عطاها
فكانَتِ مداده بأبهى صُورة
أبوها بها يَمشي إذا مَشَتْ
ويَسكُنُ العَينَ ، إن غاب نوره
بِنتُ أَبيها؟ بَل هيَ الأَبُ الَّذي
أَعادَهُ الزَّمانُ ، بها حضوره ..

فَالفَخرُ إِذًا لَيْسَ لِأَنَّهَا ابنته بل لأنها وُلِدت منه،
و صَارَتْ مثله ، وكأنها امتداده الذي يحمِلُ خِصَالَهُ، تمشِي عَلَى خُطَاهُ، وكَأَنَّهَا هُوَ فِي صُورَةٍ أُخْرَى ، فَقَدْ أَكرَمُوا الأَبَ فِيهَا.. وَرَفَعُوا القَدْرَ بِهَا، لِأَنَّهَا أَصبَحَتْ مِيرَاثَهُ الحَيَّ، وَذِكرَاهُ البَاقِيَةَ.

لِذَلِكَ تَهُفُّ الرُّوحُ لِهَذِهِ العِبَارَةِ،
لِأَنَّهَا لَا تَعنِي الِانْتِسَابَ الجُسدِيَّ، هِيَ شَهَادَةُ أَنَّ الأَبَ زُرِعَ فِيكِ أَجمَلَ مَا فِيهِ، فَنَمَوتِ زَهرَةً تُشبِهُ الأَصْلَ فِي كُلِّ شَيءٍ.
فَصَارَتْ تَحمِلُ شَخْصِيَّتَهُ، وَتُعِيدُ رُوحَهُ،
فَهِيَ حياته البَاقِيَةُ، وَذِكرَاهُ الصَّادِقَةُ ، وصورة مشرقة منه ..
ويا لفخر من تسمعها : بنت أبيها ..
سعادة الكون حينها ، لا تكفيها …

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى