ملاح غريب يشبهني
بقلم: د. شاكر محجوب
بأصابعَ ترتجفُ خلفَ زجاجِ الوقتِ، أُقلّبُ ألبومَ الهاتفِ القديمِ، فيسقطُ من عتمةِ الشاشةِ ضوءٌ باهرٌ، وجهٌ يشبهني.. لكنه ليس أنا.
ملامحُ تضحكُ من حافةِ القلبِ، وعينانِ تلمعانِ، تلمعانِ بشغفٍ طازجٍ، كأنهما لم تذوقا طعمَ الملحِ بعدْ، ولم تعرفا كيف ينامُ الليلُ في المآقي.
أُقرّبُ الشاشةَ.. كمن يمسحُ الغبارَ عن لوحةٍ أثريةٍ، أتأملُ ذلك الوجهَ النقيَّ كصفحةِ ماءٍ، بلا هالاتٍ سوداء خطّتها الهزائمُ، ولا تجاعيدَ قلقٍ حفرتها الطاحونةُ اليوميةُ.
أنظرُ إليه.. وكأنني أتفرّسُ في ملامحِ غريبٍ، التقيتُه يوماً في مكان ما.. ومضى، دون أن يتركَ لي اسماً، أو عنوان.
لا، لستُ أتحسّرُ على لونِ وجهي الذي بهتَ، ولا على نضارةٍ سرقها قطار العمرِ، فالمرايا خديعةٌ نعتادُها.
أنا أبكي على تلك الخفّةِ التي كانت تعششُ في صدري، قبل أن تدهسني عجلاتُ الأيامِ القاسيةِ، وتُعلّمني، بقسوةِ الأستاذِ، كيف أبتلعُ غصّتي الصامتةَ.. دون أن يلمحَ المارّةُ دخانَ الحريقِ في جوفي.
نحنُ لا نبكي على الماضي لأن أيامه كانت أبهى، ولا نذرفُ الدمعَ حنيناً لأماكنَ تركنّاها خلفنا.. بل نبكي لأننا، في ومضةِ وعيٍ خاطفةٍ،
أدركنا الحقيقةَ الأكثرَ إيلاماً:
أنَّ تلك النّسخةَ التي ماتت منا تحت ركامِ السنينِ.. كانت، ويا للأسفِ، أغلى وأجملَ ما نملكُ!



