مقالات و رأي

‏أبوة لا تقبل التقاعد

د. شاكر محجوب

‏ كان المساء يرتدي ثوباً الهدوء والسكينة، ونحن نلتف في جلستنا المعتادة، نتبادل أطراف الحديث الذي ينساب بيننا كجريان الماء في الجداول. كانت الضحكات تتصاعد، والذكريات تُبعث من مرقدها، حتى اتخذ الحوار مساراً مغايراً عندما تنهد أحد الأصدقاء، مسنداً ظهره إلى المقعد بملامح يكسوها ارتياح عميق، ثم قال بنبرة من يضع عن كاهله حملاً ثقيلاً: أخيراً، حانت لحظة التقاعد.. أشعر أنني أديت رسالتي في هذه الحياة على أكمل وجه؛ لقد تخرج الأبناء من الجامعة، وشق كل منهم طريقه مستقلاً بوظيفة مرموقة، والآن حان وقت الالتفات لنفسي.
‏ ساد صمت مؤقت، وبدا أن الكلمات لامست وتراً لدى الحاضرين الذين أومأ بعضهم برأسه علامة الاستحسان والقبول.

لكن شيئاً ما في داخلي انتفض رافضاً هذا الاختزال العابر لأقدس الأدوار الإنسانية.
‏ نظرت إليه، وقاطعت ذلك الصمت قائلًا بنبرة هادئة لكنها حاسمة: أبداً يا صديقي.. الرسالة لا ولن تنتهي حتى آخر نفس يتردد في صدورنا.

إن الأمومة والأبوة ليستا وظيفتين ينتهي عقدهما ببلوغ الأبناء سناً معينة أو بحصولهم على شهادة ووظيفة. مهما كبر الأبناء، ومهما امتدت بهم السنون، وانفصلوا بأسرهم، وتزوجوا وأنجبوا لنا الأحفاد، سنظل في نظرهم ونظر أنفسنا الملاذ الآمن، والمرسى الذي يلجؤون إليه كلما عصفت بهم رياح الحياة.
‏ تابعت والجميع يصغون باهتمام: إننا لا نتقاعد من كوننا آباء. قد يتغير شكل العطاء؛ فيتحول من كفاح لتأمين لقمة العيش والمصاريف الدراسية، إلى دعاء بظهر الغيب، ونصيحة حكيمة في وقت ضيق، وحضن دافئ يرمم ما أفسدته الأيام في قلوبهم. رسالتنا ممتدة، تتجدد مع كل حفيد يولد، لتستمر فيهم قيمنا وثقافتنا.
‏ انقسمت الجلسة في تلك اللحظة؛ فمن الأصدقاء من أيدني بحماس وقد تلمس عمق الكلمات، ومنهم من ظل متمسكاً بفكرة الراحة الجسدية والذهنية بعد رحلة شقاء طويلة.

ومضى الوقت، وتشابكت الآراء، ولم ينتهِ الحوار.. بل بقي معلقاً في فضاء الغرفة كشاهد على أن بعض المسؤوليات تولد معنا، ولا تغادرنا إلا حين نغادر نحن هذه الدنيا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى