ما الفرق بين المؤرخ والباحث التاريخي ؟

أحمد القاري ـ المدينة المنورة
الفرق بينهما يشبه الفرق بين المهندس والبنّاء، كلاهما يعمل في حقل التاريخ، لكن دور كل واحد يختلف.
المؤرخ : هو الذي يكتب التاريخ ويؤلف فيه بعد دراسة المصادر وتحليلها. عمله لا يقتصر على جمع المعلومات، بل يفسر الأحداث ويربط بينها ويقدم رؤية تاريخية متكاملة.
خذ مثالاً على ذلك :
المؤرخ يدرس سقوط دولة معينة، يحلل الأسباب السياسية والاقتصادية والعسكرية ، يكتب كتاباً أو دراسة تشرح الحدث وتفسره.
ومن أشهر المؤرخين: ابن خلدون والطبري.
أما الباحث التاريخي : فهو يركز غالباً على التنقيب والتحقيق وجمع المادة العلمية من المصادر والمخطوطات والوثائق، وقد لا يكتب تاريخاً شاملاً، بل يدرس قضية محددة أو يحقق نصاً تاريخياً أو يكشف معلومات جديدة.
مثال ذلك : يعثر على وثيقة قديمة، يحقق مخطوطة وينسبها إلى صاحبها الصحيح، أو يدرس معركة أو شخصية تاريخية دراسة جزئية متخصصة.
ما العلاقة بينهما ؟
كثير من المؤرخين بدأوا باحثين تاريخيين، وكثير من الباحثين التاريخيين يصبحون مؤرخين.. بل إن المؤرخ الجيد لا بد أن يكون باحثاً جيداً أولاً.
بصيغة مختصرة:
الباحث التاريخي : يجمع الأدلة ويفحص المصادر ويحقق الوثائق.
المؤرخ: يستخدم تلك الأدلة والمصادر ليكتب تفسيراً وروايةً تاريخية متكاملة.
ولهذا يقال أحياناً : الباحث يبحث عن الحقيقة التاريخية، والمؤرخ يصوغ فهمنا لها. وهي مهمة شاقة، لأن الماضي لا يتكلم، والبشر منذ قرون عديدة يتركون وراءهم من التناقضات ما يكفي لإشغال أجيال كاملة من الباحثين.
من حيث المكانة العلمية :
ليس كل باحث تاريخي مؤرخاً، لأن بعض الباحثين يقضون حياتهم في تحقيق الوثائق أو دراسة جزئية محددة دون أن يكتبوا تاريخاً عاماً أو يقدموا تفسيراً شاملاً للأحداث.
أما المؤرخ الحقيقي فلا بد أن يمتلك أدوات الباحث التاريخي، وإلا أصبح ناقلاً للروايات دون تمحيص.
فلو أردنا دراسة معركة تاريخية:
يبدأ الباحث التاريخي بجمع الروايات والمخطوطات والرسائل والوثائق المتعلقة بالمعركة، ويصحح الأخطاء ويكشف الروايات الضعيفة.
والمؤرخ يأخذ تلك المادة الموثقة ثم يشرح أسباب المعركة ومجرياتها ونتائجها وتأثيرها في مسار التاريخ.
وفي الأوساط الأكاديمية الحديثة
يُنظر إلى “الباحث التاريخي” بوصفه وصفاً وظيفياً ومنهجياً، بينما “المؤرخ” يُعد مرتبة علمية أوسع، لأنه ينتج معرفة تاريخية متكاملة لا تقتصر على جمع المادة وتحقيقها.
ولهذا فإن وصف شخص بأنه باحث تاريخي لا يعني بالضرورة أنه مؤرخ، أما وصفه بأنه مؤرخ فيفترض عادةً أنه يمتلك مهارات البحث التاريخي إضافة إلى القدرة على التأليف والتحليل والتفسير.
خلاصة الأمر أن الباحث التاريخي يبحث في لبنات البناء، أما المؤرخ فيبني منها صرحاً يفسر الماضي ويكشف معانيه للأجيال اللاحقة.



