مقالات و رأي

لماذا الطريق الثالث في طهران مسدود؟!

بقلم/ هيثم عبدالحميد

كل انتقادات الرئيس ترمب لإدارة بوش في العراق كررها في إيران، قضى على القيادة السياسية والدينية وأسلم الحكم للحرس الثوري؟
بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 فبراير 2026، أخذ زمام السلطة المطلقة الحرس الثوري الإسلامي. سيطر الجنرالات على المفاصل الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، بينما يبقى الجانب الديني مغيبا.
في هذا المشهد، نتساءل أين الإصلاحيون؟ وهل لا يزالون قادرين على إلقاء “طوق النجاة” للشعب كلما اشتد التعقيد بين التشدد الديني والجنوح العسكري؟

من هم الإصلاحيون ودورهم التاريخي؟
الإصلاحيون تيار سياسي من النظام. يدعون لإصلاحات تدريجية داخل إطار الجمهورية الإسلامية أهمها: توسيع هامش الحريات الاجتماعية والسياسية، تحسين العلاقات مع الغرب، تخفيف العقوبات عبر التفاوض، وتقوية المؤسسات المنتخبة مقابل السلطات المعينة مثل المرشد والحرس. أبرز من يمثلهم اليوم الرئيس مسعود بزشكيان الذي فاز في 2024 بدعم الإصلاحيين.
دورهم التقليدي صمام أمان. عندما يؤدي التشدد الديني أو المغامرات الخارجية إلى احتجاجات (2009، 2019، 2022) أو عزلة دولية واقتصادية، يُسمح للإصلاحيين بمساحة محدودة ومحسوبة.
يفوزون بانتخابات أو يتولون مناصب (خاتمي، روحاني، بزشكيان) فيقدمون وعوداً بالإصلاح والانفتاح ثم يجهضها الحرس المتشدد من النظام.
يتفاوضون (مثل الاتفاق النووي 2015) ينجحون في تخفيف العقوبات فانتهزها النظام كطوق نجاة ثم، بعد الاستقرار النسبي، يُهمشون أو يُقمعون مرة أخرى.
الحرس الثوري اليوم أصبح القوة المهيمنة فعلياً، يسيطر على الاقتصاد (نصف النفط تقريباً)، الأمن، والقرارات الاستراتيجية. الرئيس بزشكيان يمثل الجانب “المدني” الذي يريد تمثيل الشعب في إدارة الاقتصاد والتفاوض مع الخارج.

جبهة الإصلاحيين أصدرت بيانات بعد الحرب تطالب بـ: مفاوضات مع أمريكا، تعليق التخصيب مقابل رفع العقوبات، إطلاق سراح السجناء السياسيين، إبعاد الحرس عن السياسة والاقتصاد، وإصلاحات اجتماعية.
لكنهم ضعفاء ومهمشون. كثير من قادتهم (مثل منصوري وآخرين) تعرضوا للاعتقال أو الضغط. التيار الإصلاحي فقد الكثير من مصداقيته لدى الشارع بعد فشل تجارب خاتمي وروحاني، وأصبح بعض رموزه (مثل مير حسين موسوي أو مصطفى تاجزاده) يطالبون بتغييرات أعمق (استفتاء، دستور جديد).

في الصراع بين التشدد الديني (الذي يتراجع) والجنوح العسكري (الذي يصعد) الإصلاحيون يمثلون الخيار البراغماتي “المدني” الذي قد ينجح في إدارة البلاد دون انهيار اقتصادي أو احتجاجات واسعة.
لكنهم ليسوا شريكاً متساوياً. الحرس يفضل تكنوقراطاً موالين أو شخصيات محافظة براغماتية على إصلاحيين يطالبون بتقليص نفوذه.
استغل الحرس الثوري دورهم كـ”طوق نجاة”: يقدمون الوجه المدني للتفاوض الدولي وإدارة الاقتصاد، بينما يحتفظ العسكر بالسيطرة الأمنية والاستراتيجية.
هل ينجحون هذه المرة؟

تصريحات بزشكيان التي تغضب الحرس الثوري؟
برر بزشكيان الاحتجاجات الاقتصادية والاجتماعية في يناير 2026 وما بعدها! وميز بين “المتظاهرين” و”مثيري الشغب”، اتخذ الرئيس مسعود بزشكيان موقفاً معتدلاً نسبياً مقارنة بالخط المتشدد للحرس الثوري والأجهزة الأمنية. معترفا بجذور مشروعة للاحتجاجات، وأقر بأن هناك مشكلات حقيقية اقتصادية واجتماعية مثل التضخم، نقص السيولة، وتأثير العقوبات والحرب على المعيشة. وأكد أن “من واجب الحكومة الاستماع إلى مطالب المتظاهرين ومخاوفهم وحلها”، وأعلن استعداد حكومته للحوار والحلول السريعة (مثل اجتماعات مع أصحاب الأعمال والمتضررين).

برزت توترات واضحة بين الرئيس مسعود بزشكيان المعتدل والإصلاحي وقيادة الحرس في أكثر من مناسبة. منها تصريحات بزشكيان والاعتذار لدول الجوار في 7 مارس 2026، ألقى بزشكيان خطاباً متلفزاً أعلن فيه أن “مجلس القيادة المؤقت” قرر وقف الهجمات أو الضربات الصاروخية على الدول المجاورة (دول الخليج وغيرها)، إلا إذا انطلق هجوم من أراضيها ضد إيران.
فأغضب قيادات كبار في الحرس الثوري والمتشددين، الذين رأوا فيها “ضعفاً” و”تنازلاً” يضر بـ”هيبة الثورة” ويُظهر إيران كمن يستسلم، ووصفت وسائل إعلام مقربة من الحرس الموقف بأنه “غير احترافي”. كما اتهم بعض المتشددين مثل النائب حميد رسائي بزشكيان بالضعف.
ثم أجبر على التراجع: في اليوم التالي (8 مارس)، وقال بزشكيان أن “أمريكا حرفت اعتذاري إلى استسلام” في محاولة لزرع الفتنة، وشدد على أن إيران “سترد بقوة على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية ولن تستسلم”. حذف الجزء المتعلق بالاعتذار في بعض المنشورات اللاحقة.

انتقد بزشكيان إدارة الحرس للحرب وتصعيدها ضد دول الجوار (مثل هجمات على الإمارات) باعتبارها “غير مسؤولة” و”جنوناً”، وتمت دون علم أو تنسيق مع الحكومة المدنية، شعر بأنه “رهينة” في يد المؤسسة العسكرية لا بسمحون له بالاستقالة، ولا يسمحون له بفعل أي شيء. وظيفته الوحيدة هي قراءة البيانات الصادرة من الحرس الثوري”.
يمثل بزشكيان المدعوم من التيار الإصلاحي والمعتدل صوت العقل، بينما يركز الحرس على الأمن والنفوذ الإقليمي والسيطرة الداخلية. هذا التناقض يعكس التحول من “العمامة” إلى “البزة العسكرية”، حيث يُستخدم الرئيس المدني أحياناً كواجهة، لكنه يُهمش عندما يتعارض مع مصالح الحرس.

إيران اليوم تواجه أزمات عميقة: اقتصاد منهار، عزلة دولية، ومجتمع غاضب. التاريخ يظهر أن الجيوش تحمي السلطة، لكنها نادراً ما تبني ازدهاراً أو شرعية شعبية دائمة، تحت حكم العسكر لا دين ولا دولة؟.
أين الإصلاحيون في إيران؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى