مقالات و رأي

من قتل جـــــالوت؟ .. قصة من نور القرآن

(إنارة في الظلام) .. (10)

إعداد وتقديم: الأستاذ/ عبد الله بن سعود الأحمدي

القرآن الكريم هو نور القلوب الذي يزيل ظلمات الجهل والغفلة، وشفاء لما في الصدور، وجعل الله فيه القصص حقائق واقعية وعبرا بليغة.
ولقراءة آيات القرآن وتدبر قصصها يمكنك الاستفادة من منصة مصحف المدينة الإلكتروني التي توفر تلاوات وكتب التفسير المعتمدة.
نور القرآن في سيرة من قتل جالوت ؟


كان طالوت ملكا مؤمنا صالحا، وكان جالوت ملكا كافرا ظالما. وكانا في بني إسرائيل، والله قد أرسل فيهم نبيا اسمه صموئيل وفي رواية شـمويل.
قال الملأ من بني إسرائيل لنبيهم: ادع الله أن يبعث لنا ملكا حتى نقاتل في سبيله ونبذل أنفسنا في سبيل الحق، قال لهم نبيهم: إن الجهاد الآن غير واجب، ولكن إذا وجب الجهاد بعد أن نطلبه من الله، وسرتم فلا يمكن الرجوع، لأن الرجوع هروب من الحرب، وهو ذنب كبير، كأنه كفر بالله، لأن الطلب هنا من الله، فرضوا بذلك.
فدعا النبي الله أن يأذن لهم بالجهاد، فأذن الله لهم بالجهاد. فقال لهم نبيهم: إن الله سيرسل لكم طالوت ملكا. فاعترضوا وقالوا: كيف يكون ملكا علينا ونحن أحق منه بأن نكون ملوكا وهو ليس منا!؟ فقال النبي لهم: إن الله اختاره، لأنه أقوى جسما وأكثر علما.
وقال لهم نبيهم: إن الأفضل يكون بإيمانه وعلمه. وطالما أن الله اختاره فلا بد من الاستجابة لأوامره. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.246.
استجاب بنو إسرائيل لأمر الله. وجاء الملك طالوت، فقال: إن الله فرض علينا الجهاد، وسوف نذهب لنقاتل جالوت. فاستغربوا وقالوا: لا طاقة لنا بجالوت، فمعه جيش جرار. ولكن طالوت قال لهم: إن هذا أمر الله، ويجب أن نطيعه. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، لأن الله معنا.

قال تعالى في سورة البقرة: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249].
ومروا في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء. فقال لهم طالوت: إنكم ستمرون على نهر فلا يخزن أحد منكم منه ماء. فمن فعل ذلك فليخرج من جيشي، ومن أراد أن يسير معي فليشرب فقط دون أن يخزن. وفعلا حدث ما قال، فمروا على هذا النهر، وضعف كثيرون، فقد كان الحر شديدا، وخافوا من الصحراء فشربوا كثيرا، وخزنوا خوفا من الهلاك، وبهذا خرجوا من صفوفه ورجعوا ثانية. وتعجب من بقي معه وقالوا: كيف سنحارب وقد أصبحنا أقل بكثير من الأول، ونحن سنحارب جيشا جرارا!؟ قال تعالى: في سورة البقرة أيضا.
( فلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مبتليكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). (249)
من هو جالوت؟ هو محارب وقائد عملاق ذُكر في التوراة والقرآن الكريم. عُرف بطغيانه وجبروته، وقاد جيش الكفار ضد جيش الملك المؤمن طالوت في معركة تاريخية.
وبدأت المعركة التاريخية ذكرها الطبري في تفسيره مفصلة ونجمل ذلك: – بأنه –
لما برز طالوت لجالوت، قال جالوت: أبرزوا لي من يقاتلني، فإن قتلني، فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم! فأتي بداود إلى طالوت، وكان شابا صغيرا فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله. فألبسه طالوت سلاحا، فكره داود أن يقاتله، وقال: إن الله لم ينصرني عليه لم يغن السلاح. فخرج إليه بالمقلاع وبمخلاة فيها أحجار، ثم برز له، قال له جالوت: أنت تقاتلني؟ قال داود: نعم. قال: ويلك أما تخرج إليّ إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة؟ لأبددن لحمك، ولأ طعمنّه اليوم الطير والسباع! فقال له داود: بل أنت عدو الله شر من الكلب. فأخذ داود حجرا ورماه بالمقلاع، فأصابت بين عينيه حتى نفذت في دماغه، فصرع جالوت، وانهزم من معه، واحتز داود رأسه. فلما رجعوا إلى طالوت ادعى الناس قتل جالوت، فمنهم من يأتي بالسيف وبالشيء من سلاحه أو جسده، وخبأ داود رأسه، فقال طالوت: من جاء برأسه فهو الذي قتله، فزوجه ابنته، وأكثر الناس ذكر داود، وزاده عند الناس عجبا. قال الله تعالى: في سورة البقرة: (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ). (252).
المقلاع يرمى الحجر به

وأعطى الله داود الملك والحكمة وعلمه مما يشاء- يعني علمه صنعة الدروع، والتقدير في السرد وفصل الخطاب. قال تعالى: من سورة “ص” في قوله تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ}.

نأخذ من هذه القصة العبرة والعظة من عدة جوانب :-
• قوة الإيمان تؤدي إلى انتصار الفئة القليلة المؤمنة على الجيش الجبار.
• شجاعة داود عليه السلام والتوكل على الله في استخدام أسلوبا ذكيا بمحاربة العدو بالمقلاع والحجارة لقتل جالوت وقومه فكان النصر حليفه.
• التمكين بعد الابتلاء بأن الله يرفع عباده المخلصين والمجاهدين في سبيله فكانت هذه المعركة سببا في ايتاء الله الملك والحكمة والنبوة لداود عليه السلام
• “نقف في نهاية هذه القصة الخالدة أمام مشهد عظيم: القوة الحقيقية لا تكمن في الدروع والسيوف، بل في قوة الإيمان. لقد واجه الشاب داود -عليه السلام- الطاغية جالوت لا بسلاحه، بل بكلمة التوحيد وثقته بوعد الله، وفي هذا رسـالة لنا جميعاً: لا تيأسوا مهما بلغت قوة الظلم، واعلموا أن معية الله هي الدرع الحصين، وأن النصر يبدأ دائماً من صدق النية واليقين بأن الله غالب على أمره.”
• الأدوار العظيمة لا تأتي من الفُرش الدافئة، ومن بيئات الترف والنعومة والراحة، وإنما تأتي من ميادين المعركة، فالميدان هو الذي يكشف عن المواهب، ولذلك برزت حكمة طالوت من خلال القيادة، وبرز موقع داود من خلال المعركة، فهذا الذي يؤهل الشخصيات.
• ونسأل الله  أن يبصرنا بكتابه، وأن يرزقنا ما ينفعنا، وأن يجعلنا من الذين يتعلمون كتابه، ويستفيدون من العبر التي قصها علينا في هذا الكتاب الكريم.

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى