مقالات و رأي

العراق وسرقة القرن: من هنا مرّت إيران؟

بقلم/ هيثم عبدالحميد

الفساد في العراق لم يعد مجرد انحراف إداري أو جريمة مالية عابرة، بل تحوّل إلى منظومة متكاملة لنهب الدولة وتفريغها من مقدراتها. ما جرى منذ 2003 ليس سوء إدارة، بل إعادة توزيع ممنهجة لثروة بلد كامل لصالح نخبة سياسية مرتبطة بشبكات داخلية وخارجية. واستعادة جزء من هذه الأموال – إن حدثت فعلاً – قد تعيد للعراق بعضاً من توازنه المفقود، أما الاستمرار في الصمت فليس سوى شراكة ضمنية في الجريمة.

حجم الفساد: أرقام تتجاوز الخيال؟!
العراق ليس بلداً فقيراً، بل جرى إفقاره عمداً. فمنذ 2003، تدفقت مئات المليارات من عائدات النفط، لكن الجزء الأكبر منها تبخّر في دهاليز الفساد. التقديرات الرسمية نفسها تكشف حجم الكارثة: 150 مليار دولار وفق برهم صالح، و600 مليار بحسب مصطفى الكاظمي. لكن التصريح الأخطر جاء في يوليو 2026، حين أعلن القاضي منير حداد أن الأموال المنهوبة تجاوزت تريليوني دولار. رقم لا يعبّر فقط عن فساد، بل عن عملية سطو تاريخية غير مسبوقة. مسؤولون يملكون عشرات العقارات، وثروات مسجلة بأسماء أقاربهم، في مشهد يلخص كيف تحولت الدولة إلى غنيمة.

النفط العراقي بواية النهب الرئيسية؟
في بلد يطفو على بحر من النفط، يعيش المواطن على هامش الحياة: كهرباء متقطعة، بطالة مزمنة، خدمات منهارة، وكفاءات تهاجر بلا عودة. السبب ليس نقص الموارد، بل منظومة فساد تلتهم ما يقارب ثلث الإيرادات النفطية.
الآليات معروفة: عقود وهمية، رشاوى منظمة، تهريب النفط، التلاعب بأمانات الضرائب كما في “سرقة القرن”، وتبييض الأموال عبر شبكة معقدة من المصارف والعقارات. الاقتصاد النقدي ليس صدفة، بل أداة لإخفاء المسارات. أما المحاصصة، فقد حوّلت الوزارات إلى إقطاعيات مغلقة، لكل حزب نصيبه من النهب، ولكل فصيل حصته من الدولة.

الفساد في العراق إيراني المنشأ؟!
الحديث عن الفساد في العراق دون التطرق إلى إيران هو تجاهل للواقع. الفصائل الموالية لطهران لم تعد مجرد أدوات عسكرية، بل أصبحت إمبراطوريات اقتصادية تسيطر على مفاصل من الاقتصاد غير الرسمي، وتشارك في تهريب النفط والدولار، وتعيد تدوير الأموال لتمويل نفوذها.
التحقيقات الأخيرة لمّحت بوضوح إلى هذا التشابك، عبر ملفات تتعلق بتمويل الفصائل والنفط الإيراني وتهريب العملة. تقارير دولية تتحدث عن شبكات تدر نحو مليار دولار سنوياً لصالح إيران ووكلائها داخل العراق. هذه ليست مجرد علاقة نفوذ، بل شبكة مصالح عابرة للحدود، تجعل من الفساد أداة سياسية.
الأخطر أن هذا النفوذ حوّل مكافحة الفساد إلى معركة محفوفة بالمخاطر، حيث يتمتع المتورطون بغطاء مسلح ونفوذ سياسي، ما يجعل أي محاولة للمحاسبة أقرب إلى مواجهة مفتوحة مع مراكز قوة داخلية وخارجية.

العراق يقف أمام لحظة فاصلة؟!
الحملة الحالية تمثل فرصة نادرة، لكن هل ستسمح إيران بالقضاء على نفوذها في العراق؟ وهل يمكن تفكيك منظومة بهذا الحجم دون الاصطدام المباشر بالنفوذ الإيراني؟أم ستتمكن إيران عبر عملائها من فرض الأمر الواقع إلى ما لا نهاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى