لا تعش غدًا قبل أن يأتي الجزء (2)

✍️ حفصه العطاس
في الجزء الأول تحدثت عن ذلك القفص الذي قد نصنعه لأنفسنا من سؤال صغير:
ماذا لو؟
وقلت إنني أعرف هذا القفص جيدًا.
فأنا من الأشخاص الذين قد يحملون الهم فوق الهم، وأعرف أنني لست وحدي في ذلك. هناك أشخاص كثيرون يفكرون في الأمر، ثم يفكرون فيما قد يحدث بسببه، ثم فيما قد يحدث بعد ذلك… حتى يصبح الهم الواحد همومًا.
وربما نتعلم بعض هذا القلق من البيئة التي نشأنا فيها، أو نتأثر بمن حولنا دون أن نشعر، وربما يكون جزءًا من طبيعتنا نحن.
لكن مهما كان مصدره، يبقى السؤال الأهم:
هل سأظل أحمل همَّ الغد قبل أن يأتي؟
ومع الأيام أدركت أن سعة الصدر نعمة من الله.
واليوم، وأنا أراجع هذه الفكرة في نفسي، قالت لي معلمة ابنتي جملة ما زالت ترن في أذني.
كانت تحدثني عن بعض المواقف والعقبات التي مرت بها في حياتها، ثم قالت لي بكل بساطة:
«يا حفصة، يمكن تقولين إني أبالغ أو إني مثالية، لكن والله إني ما أحمل هم بكرة… ما أحمل هم وش بيجيني بكرة».
لا أعرف لماذا وقعت هذه الجملة في قلبي بهذه القوة.
ربما لأنني أدركت أن الإنسان قد يمر بالكثير، ومع ذلك لا يجعل ما مضى سببًا للخوف مما لم يأتِ.
شعرت لحظتها وكأن ماءً باردًا صُبَّ على قلبي.
يا الله… كم في هذه الجملة من يقين، وكم فيها من ثقة بالله.
«ما أحمل هم بكرة».
جملة قصيرة، لكنها جعلتني أفكر:
كم ليلة وضعنا رؤوسنا على الوسادة، بينما عقولنا سبقتنا إلى الغد؟
نحمل همَّ رزق لم يحن وقته، ومشكلة لم تقع، وخبر لم يصل، وقرار لم نتخذه، فنعيش في يوم واحد أعباء أيام كثيرة.
وربما تكون سعة الصدر التي أبحث عنها بهذه البساطة:
أن أعيش مسؤولية اليوم، وأترك همَّ الغد لرب الغد.
أن تستطيع أن تفكر في الغد دون أن تسكن فيه، وأن تأخذ بالأسباب دون أن تحاول السيطرة على المجهول، وأن تترك في قلبك مساحة لحسن الظن بالله.
فالغيب لا أعلمه أنا ولا أنت.
لا أعرف ماذا سيحدث غدًا، ولا بعد شهر، ولا بعد عام.
الله وحده يعلم.
فلماذا أعيش اليوم داخل قفص صنعته من أشياء لا أعلم أصلًا هل ستحدث أم لا؟
وقد مررت بتجربة جعلتني أرى ذلك في نفسي بوضوح.
خرجت من موقف وأنا أفكر في كلمة قلتها، ثم بدأت أنسج حولها قصة كاملة:
ماذا لو فُهمت بطريقة أخرى؟
ماذا لو وصلت إلى شخص آخر؟
ماذا لو ترتب عليها موقف أكبر؟
وفي وقت قصير كنت قد عشت في رأسي أحداثًا كثيرة لم يقع منها شيء.
ضاق صدري، وفقدت ابتسامتي، وأرهقت نفسي وأنا أحاول حل مشكلات لم تحدث أصلًا.
ثم واجهت الأمر كما هو، وتحدثت، وانتهى الموقف بصورة أبسط بكثير من كل النهايات التي كتبتها في خيالي.
وسألت نفسي بعدها:
كم مرة أشقينا أنفسنا بأحداث لم تقع؟
وكم مرة خسرنا يومًا جميلًا خوفًا من يوم سيئ ربما لن يأتي؟
وحتى في قرارات الحياة فعلت بي «ماذا لو؟» الكثير.
مررت بفترة أثقلني فيها التزام مادي، حتى أصبح همًّا أصحو وأنام وأنا أحمله.
وفي النهاية كان أمامي قرار لم يكن سهلًا على قلبي؛ أن أتنازل عن شيء عزيز أملكه حتى أريح نفسي من ذلك العبء.
اتخذ عقلي القرار، لكن عاطفتي عادت سريعًا إلى بابها القديم:
ماذا لو لم أعوّضه؟
ماذا لو احتجته؟
ماذا لو ندمت؟
ثم سألت نفسي سؤالًا مختلفًا:
ومن رزقك به أول مرة؟
توقفت عندها.
من أعطاني إياه أول مرة، أليس قادرًا أن يعطيني مثله وأفضل منه مرة أخرى؟
ومن فتح لي أبوابًا لم أكن أعرف كيف ستُفتح، أليس قادرًا أن يفتح لي غيرها؟
وعندها أدركت أننا أحيانًا نتعامل مع النعمة وكأنها آخر ما في خزائن الله.
نخاف أن نفقد شيئًا وكأن الله لن يعوضنا، ونخشى أن يُغلق باب وكأن بقية الأبواب ليست بيده.
وما أضيق الحياة حين نحسبها بأسبابنا وحدها، وما أوسعها حين نتذكر مَن بيده الأسباب.
وهنا فهمت معنى آخر لسعة الصدر.
سعة الصدر ليست ألّا تكون لديك مشكلات، ولا ألّا تخاف، ولا ألّا تفكر في المستقبل.
بل أن تفعل ما تستطيع، ثم تعرف متى تتوقف.
أن تأخذ بالأسباب دون أن تجعل الأسباب كل شيء.
أن تحاسب نفسك دون أن تجلدها.
أن تتعلم من الخطأ دون أن تعيش داخله كل ليلة.
وأن تفكر في الغد دون أن تحمله كاملًا على كتفيك اليوم.
فليس كل تفكير حكمة، وأحيانًا يكون الإفراط في التفكير طريقة أخرى لتعذيب النفس.
ولا يعني هذا أن نعيش بلا حذر أو تخطيط، فهناك فرق كبير بين أن تأخذ بالأسباب، وأن تعيش أسيرًا للاحتمالات.
احمِ ابنتك، لكن لا تربِّ خوفك معها.
اطمئن على صحتك، لكن لا تمرض في خيالك قبل أن تمرض في جسدك.
اختر شريك حياتك بعناية، لكن لا تعش فشل الزواج قبل أن تتزوج.
لا تعش المصيبة مرتين؛ مرة في خيالك، ثم ربما لا تأتي المرة الثانية أصلًا.
وقال النبي ﷺ:
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَرُ الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان».
وما أجمل هذا الميزان.
فكّر، وخطط، واستشر، واستخِر، وخذ بالأسباب، ثم استعن بالله وامضِ.
فالمشكلة ليست في التفكير في الاحتمالات، وإنما تبدأ عندما ينتهي دور التفكير في مساعدتنا على اتخاذ القرار، ويبدأ دوره في تعذيبنا.
وهنا أحتاج أنا قبل غيري أن أتذكر:
لا تجعل «ماذا لو؟» أعلى صوتًا في قلبك من «حسبي الله».
فالذي أعانك على هموم الأمس قادر على أن يعينك على هموم الغد.
والذي عوضك مرة ليس عاجزًا أن يعوضك مرة أخرى.
وربما يكون الغد أجمل بكثير مما رسمته في خيالك، وربما يأتي بما لا تتمنى، وحينها سيعطيك الله من القوة والصبر ما لم تكن تملكه اليوم.
فلماذا تستدين همَّ الغد لتسدده من سعادة اليوم؟
عندما تأتيك لحظة جميلة، لا تخف منها.
اضحك.
وعندما يأتيك كوب القهوة الذي تحبه، اشربه.
وعندما تكون بين من تحب، لا تنظر إليهم وأنت تفكر متى ستفقدهم.
أحبهم الآن.
وعندما يعطيك الله نعمة، لا تجعل أول ما يخطر ببالك كيف يمكن أن تزول.
قل: الحمد لله.
فالتفاؤل لا يعني أن لديك ضمانًا بأن شيئًا مؤلمًا لن يحدث، وحسن الظن بالله لا يعني أن الحياة ستسير دائمًا بالطريقة التي تريدها.
لكنه يعني أنك ما دمت لا تعلم الغيب، فليس التشاؤم أصدق من التفاؤل.
الله الذي كان معك بالأمس، ولطف بك اليوم، هو رب غدك أيضًا.
لذلك…
خطط لغدك، واسعَ إليه، واحلم به.
لكن لا تعش فيه قبل أن يأتي.
ولا تجعل «ماذا لو؟» تحرمك من «الحمد لله» التي تستحقها حياتك اليوم.
لا تؤجل فرح اليوم انتظارًا لغد، ولا تفسد فرح اليوم خوفًا من غد.
وكلما وجدت نفسك تبني ذلك القفص من جديد، توقف واسأل نفسك:
هل هذا شيء حدث فعلًا؟
أم أنني فقط سجنت نفسي في «ماذا لو؟»؟
فكم من مصيبة عشناها كاملة في خيالنا…
ولم تقع يومًا في واقعنا.
وكم من يوم جميل كان يستحق أن نعيشه…
فأضعناه ونحن ننتظر الغد.
Hau7966@gmail.com



