مقالات و رأي

كأنَّ السماء بكتكِ

✍🏻بدرية عيسى

منذ أن رحلتِ، أدركت أن الإنسان لا يفقد أحبابه مرةً واحدة، بل يفقدهم كل يوم؛ حين يشتاق، وحين يتذكر، وحين يمرُّ موقفٌ كان سيجمعه بهم.
الفقد ليس لحظة موت، بل عمرٌ كامل من الحنين، وليلٌ طويل لا يطلع عليه الصباح كما كان.

يا نوف… في يوم رحيلك، بدا كل شيءٍ مختلفًا.
كأن السماء بكتكِ، وكأن الغيم كان يحمل من الحزن ما لا تستطيع الكلمات حمله.
أما قلبي، فمنذ تلك اللحظة وهو لا يعرف كيف يعود إلى مكانه، كأن الحياة مضت، لكنه بقي واقفًا عند آخر نظرة، وآخر دعاء، وآخر وداع.

منذ أن وارُاكِ التراب، لم يعد الغياب كلمةً أفهمها، بل صار حياةً أعيشها.
أمشي بين الناس، أتحدث، وأجيب، وأبتسم إذا اضطررت، بينما في داخلي قلبٌ توقّف عند لحظة الفراق، ولم يتعلم بعد كيف يعيش من دونك.

وما زلتُ رغم يقيني بأنكِ في ذمة الله ـ ألتفت كلما سمعتُ خطواتٍ تشبه خطواتك، وأنتظر دون أن أشعر أن يفتح الباب فتدخلي كما كنتِ دائمًا.
ثم يوقظني الصمت، فأدرك أن هناك أبوابًا أغلقها الموت، ولن تُفتح إلا حين يجمع الله الأحبة في جنات النعيم.
وما أصعب أن يعرف العقل الحقيقة، بينما يظل القلب ينتظر المستحيل.

كنت أظن أن أقسى ما يمر به الإنسان هو المرض، ثم علمت أن المرض قد ينتهي، أما الفقد فلا نهاية له.
إنه وجعٌ يسكن الأعماق، لا يراه أحد، لكنه يهدم القلب كلما مرَّ اسمك، أو حضرت ذكراك، أو شعرتُ بحاجةٍ لأن أحدثك، ثم تذكرت أن حديثي إليكِ أصبح دعاء.

رحلتِ، ورحل معك شيءٌ لا يعود.
رحلت الطمأنينة التي كانت تسكن أيامي، وغاب الأمان الذي كنت أشعر به بقربك.
لم يعد البيت كما كان، ولم تعد الضحكات تعرف طريقها إلينا كما كانت تعرفه وأنت بيننا.
لقد أخذك الموت، لكنه ترك في قلبي فراغًا لا يملؤه أحد، وجرحًا لا يبرؤه الزمن، لأن الزمن لا يعيد الذين نحب.

أشتاق إليكِ اشتياقًا لا تصفه الكلمات.
أشتاق حتى أشعر أن قلبي يرهقه الحنين، وحتى أصبح الدعاء لكِ هو اللغة الوحيدة التي أستطيع أن أصل بها إليك.
وما أقسى أن يكون كل ما أملكه لكِ الآن: دمعة، ودعوة، ورجاءٌ لا ينقطع.

ولو كان البكاء يعيد الغائبين، لما جفّت عيناي.
ولو كانت الأمنيات تُرجع الراحلين، لما تمنيت في حياتي شيئًا أكثر من أن أراكِ مرةً واحدة، لأخبركِ كم ترك رحيلك من وجع، وكم كبر الشوق بعدك، وكم أصبح العالم واسعًا… لكنه لا يتسع لغيابك.

*اللهم ارحم نوف رحمةً تليق بكرمك، وأكرم نزلها، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وعوّض شبابها بالفردوس الأعلى، واجمعني بها في يومٍ لا فراق بعده، ولا موت، ولا حزن.*

وسيظل في قلبي يقينٌ لا يتغير؛ أن بعض الراحلين لا يغيبون عن الحياة فحسب، بل يأخذون معهم جزءًا من أرواحنا، فنعيش بعدهم بأجسادٍ تمضي مع الأيام، وقلوبٍ بقيت معلقةً عند آخر وداع… تنتظر اللقاء الذي وعد الله به الصابرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى