مقالات و رأي

تركي بن طلال المواطن الأمير و قائد الهجرة العكسية

عبدالرحمن بن سعيد بن جبران القحطاني
رئيس مجلس النظارة لوقف سعيد بن جبران القحطاني

حينما أتحدث عن صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز ، تقف الكلمات عاجزة عن الإحاطة بسيرته القيادية والإنسانية فهو ليس مجرد أمير لمنطقة، بل دائماً أطلق عليه المواطن الأمير لقربه من الناس، الحاضر بينهم، والمستمع لهمومهم وقد عُرف بدقته العالية في الالتزام بالمواعيد، حتى أصبح ذلك سمة بارزة في شخصيته، ولم يعرف عنه التأخر عن اجتماع إلا في حالة واحدة حين يعترضه مواطن يحمل شكوى أو مطلباً، فلا يغادر حتى يجد له حلاً أو يوجه الجهات المختصة لمتابعة طلبه هذه الصورة الإنسانية انتشرت في أرجاء المملكة، لتصنع علاقة استثنائية بين القيادة والمجتمع.

وذات يوم كنت أتحدث مع والدي وقلت له إني أريد الانتقال للعيش في منطقة عسير خلال الثلاث سنوات القادمة، وسألت نفسي بعد ذلك لماذا أريد العودة إلى هناك بعد أن انتقل جدي من منطقة عسير في الأربعينيات الميلادية إلى المنطقة الشرقية، حيث دار بذهني مصطلح (الهجرة العكسية)، هذا المصطلح سمعته لأول مرة خلال فترة دراستي في كندا، وبالتحديد في مدينة فانكوفر بمقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث كان العديد من المهاجرين يعملون هناك بهدف الحصول على الجنسية وتكوين رؤوس أموال، ثم العودة إلى أوطانهم عندما تتوفر فيها فرص استثمارية واعدة. وهذا ما جعل كندا تخسر أصحاب العقول، وأيضاً رحيل العديد من رجال الأعمال وحيث شكل رحيلهم خسارة تقدر بمليارات الدولارات.

ونشهد اليوم مفهوم الهجرة العكسية يتحقق بوضوح في عسير، ولكن بشكل إيجابي، حيث عاد الكثير من أبناء المنطقة الذين هاجر آباؤهم أو أجدادهم، أو هم أنفسهم سابقاً، إلى مناطق أخرى داخل المملكة وخارجها سعياً وراء الرزق. وقد جاءت عودتهم نتيجة النهضة التنموية التي قادها سمو الأمير تركي بن طلال، حيث أعادوا توجيه استثماراتهم ورؤوس أموالهم نحو منطقتهم الأم، إيماناً بمستقبلها الواعد.

وسأتحدث عن هذه الظاهرة في قصص واقعية ملهمة لمن انتقلوا إلى المنطقة الشرقية ثم عادوا مجدداً، وسوف أبدأ بوالدي الذي قام بتأسيس ديوانية جبران في خميس مشيط لتكون مركزاً اجتماعياً وثقافياً، إلى جانب عملي معه على تأسيس جامعة أهلية بالتعاون مع جامعات عالمية، تقدم تخصصات نوعية تلبي احتياجات المنطقة وتدعم مسيرتها التنموية والتي نتطلع ان ترى نور قريباً وفي حال افتتاح الجامعة قد خصص والدي نصيب وقف سعيد بن جبران القحطاني لتكون منح دراسية مجانية لأبناء شهداء الواجب والأيتام من أبناء المنطقة.

أيضاً حينما نريد التحدث عن شخصيات أخرى عادت إلى الاستثمار في منطقة عسير لابد من ذكر المواقف المشرفة للعم الشيخ عبدالهادي بن عبدالله الجضعي القحطاني رحمه الله، الذي يعد من مؤسسي التجارة و الصناعة في المملكة العربية السعودية ،حيث ساهم في منطقة عسير في إنشاء مصنع البيبسي الذي خلق فرصاً وظيفية كبيرة لأبناء المنطقة واليوم، يواصل أبناؤه الشيخ عبدالعزيز، والشيخ خالد، والشيخ محمد المسيرة، حيث يساهمون في دعم التنمية والاستثمار في منطقة عسير، كما ساهموا في دعم أوقاف جامعة الملك خالد، مواصلين إرث والدهم في خدمة المجتمع ودعم التعليم والتنمية الاقتصادية.

و ايضاً حينما نتحدث عن من عادوا إلى المنطقة يبرز اسم رجل البر والإحسان، قبل أن يكون رجل الأعمال، الدكتور عايض بن فرحان القحطاني، الذي عاد ليقود استثمارات مليارية في منطقة عسير ، بعد أن كانت رحلة والده قد بدأت من محافظة تثليث إلى المنطقة الشرقية ثم شمال المملكة، حيث أسهم في إنشاء أهم الطرق ، ويعد من أكرم العرب في وقته، ولا زالت قصصه تروى إلى يومنا هذا.

وأيضاً لابد أن نستشهد بدور أسرة الشيخ حسن بن عبدالكريم ال مسعود حيث يواصل أبناؤه الشيخ خالد بن حسن بن عبدالكريم وأخيه الشيخ عبدالمحسن تمسكهم بأعمال البر في منطقة عسير طيلة السنوات الماضية، ولكن ما تغير اليوم بعد أن اصبح الأمير تركي بن طلال اميراً للمنطقة بدأوا بضخ استثمارات عبر شركة ركاز العقارية، لتطوير مشاريع اقتصادية تخدم المنطقة وتسهم في نموها.

كما يبرز اسم رجل الأعمال حسن آل عبدالرحمن القحطاني، الذي وُلد في قرية القصب ببلاد قحطان، ثم انتقل في سبعينيات القرن الماضي إلى المنطقة الشرقية، حتى أصبح هو أخيه رجل الأعمال ظافر آل عبدالرحمن من أبرز المطورين العقاريين وعُرف عنهما ابتعادهم عن الإعلام و العمل بصمت، بينما كانت إنجازاتهما خير شاهد على مسيرتهما. واليوم، يواصل أبناؤهما، محمد بن ظافر وعبدالعزيز بن حسن و أخوانهم استكمال هذه المسيرة المتميزة، محافظين على إرث الأسرة في مجال التطوير العقاري.

كما لا يسعني نسيان رجل الأعمال محمد ابن حافظ، الذي ولد في بلاد بني بشر، ثم سافر لدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، قبل أن ينتقل للعيش والعمل في المنطقة الشرقية ويعد العم محمد اليوم من أبرز المطورين العقاريين والمستثمرين في أسواق المال، حيث نرى له دوراً كبيراً في العديد من المساهمات والمشاريع التنموية في منطقة عسير.

وحينما نختتم الحديث عن اسماء بعض رجال الأعمال الذين انتقلوا إلى للمنطقة الشرقية ولا يزال حضورهم الاجتماعي باقياً في منطقة عسير ، فإن خير ختام نذكر أسرة آل عبدالعزيز، الأسرة التي فرضت احترامها بمكانتها الرفيعة، وما عُرفت به من التمسك بالقيم، والتواضع، والصدق في التعامل ويبرز منهم رجال الأعمال محمد، وسعيد، وخالد آل عبدالعزيز، الذين أسسوا شركتي أكنان ومكاني العقارية.

ومن جانب آخر، نجد نماذج للكفاءات العلمية التي عادت لخدمة المنطقة، مثل الدكتور عمرو العمري، الذي تلقى تعليمه في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ثم أكمل دراساته العليا في الخارج، وتقلد مناصب عدة، قبل أن يعود و ليكلف برئاسة هيئة تطوير منطقة عسير، في خطوة تعكس توجه القيادة نحو استقطاب الكفاءات الوطنية

كما يبرز أسم خريج جامعة الملك فهد للبترول و المعادن المهندس سلطان الشهري، الرئيس التنفيذي لقطاع الاستثمار في هيئة تطوير منطقة عسير، الذي استطاع من خلال حضوره وتميزه في منتدى عسير للاستثمار الثاني أن يقدم صورة مشرفة عن الفرص الاستثمارية في المنطقة، وأن يسهم في جذب اهتمام المستثمرين، وهي جهود تستحق الإشادة والتقدير.

إن هذه العودة الجماعية لم تكن لتحدث لولا التحول النوعي الذي شهدته عسير تحت قيادة الأمير تركي بن طلال، الذي عمل على استقطاب الكفاءات وتحفيز الاستثمار، حتى أصبح الانتقال للعمل في المنطقة مصدر فخر واعتزاز مهني.

ويكفي أن نُشير إلى ما نُقل عن رئيس المحكمة الجزائية الشيخ معاذ القحطاني، الذي شغل مناصب قضائية في الجوف ومكة المكرمة قبل عودته إلى عسير، حيث عبّر عن اعتزازه بهذه الخطوة، معتبراً أنها ثقة من القيادة في كفاءته.

وفي الختام، يمكن القول إن تجربة عسير اليوم تمثل نموذجاً وطنياً ملهماً، يقوده أمير استثنائي آمن بالإنسان قبل المكان، فكانت النتيجة عودة الإنسان ليبني المكان و هذه هي الهجرة العكسية في أبهى صورها، وهذه هي القيادة حين تصنع الفارق.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى