مياه السيول في جازان.. ثروة وطنية لا ينبغي أن تذهب إلى البحر

بقلم: أحمد جرادي
تعيش منطقة جازان منذ سنوات تحديات متزايدة في قطاع المياه والزراعة، وفي الوقت الذي تتساقط فيه الأمطار وتجري السيول في أودية المنطقة، نشاهد كميات كبيرة من هذه المياه تتجه في نهاية المطاف إلى البحر، بينما تعاني الأراضي الزراعية من الجفاف، وانخفضت مناسيب عدد من الآبار الزراعية، ونضبت بعض الآبار، وأصبحت الزراعة أمام تحدٍ حقيقي يتعلق باستدامة المياه.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل نستفيد من مياه السيول بالشكل الذي يحفظها للأرض والزراعة والمياه الجوفية، أم أن جزءًا كبيرًا منها يضيع دون الاستفادة المثلى منه؟
لا أحد يختلف على أن حماية المدن والقرى والممتلكات من أخطار السيول مسؤولية أساسية، ولا يمكن أن تكون سلامة الإنسان محل نقاش.
ولكن في المقابل، فإن تصريف مياه السيول بعيدًا عن الأراضي الزراعية يجب أن يكون ضمن منظومة متكاملة توازن بين حماية السكان والاستفادة من المياه، خصوصًا في منطقة زراعية مثل جازان.
فالسيول ليست ظاهرة جديدة، بل هي جزء من طبيعة الأرض منذ أن خلق الله الإنسان وجعل الماء أساسًا للحياة والاستقرار والعمران والزراعة. والمشكلة ليست في وجود السيول، وإنما في كيفية إدارتها وتوجيهها والاستفادة منها بعد حماية المدن والقرى والمنشآت.
لقد كانت جازان عبر تاريخها منطقة زراعية غنية، وامتلكت أراضي واسعة تنتج أنواعًا مختلفة من المحاصيل. واليوم أصبح المزارع يواجه تحديات متعددة، يأتي في مقدمتها شح المياه وارتفاع تكاليف الزراعة وانخفاض مناسيب بعض الآبار، الأمر الذي يستدعي أن ننظر إلى مياه الأمطار والسيول باعتبارها ثروة وطنية يجب المحافظة عليها.
كما أن استمرار جفاف بعض الأراضي الزراعية قد يسهم في تراجع الإنتاج الزراعي وانتشار الأشجار الغازية، ومنها ما يعرف محليًا بالسلام الأمريكي، على حساب أجزاء من الأراضي الزراعية والغطاء النباتي المحلي.
ومن المهم هنا ألا يكون الهدف مجرد تخزين جميع مياه السيول في السدود؛ فالسدود لها دور مهم في الحماية وتخزين المياه، لكن لكل موقع طبيعته، كما أن التخزين السطحي قد يتأثر بالتبخر وتراكم الرواسب، ولذلك فإن الحل الأمثل قد يكون في تنويع وسائل الاستفادة من مياه السيول، بما في ذلك تغذية المياه الجوفية، وإنشاء حواجز وحفائر وقنوات موجهة، والاستفادة من مجاري الأودية في إيصال جزء من المياه إلى الأراضي الزراعية وفق دراسات علمية دقيقة.
إن المياه الجوفية ليست موردًا لا ينضب، واستمرار الاعتماد عليها دون تعزيز تغذيتها الطبيعية قد يؤدي إلى نتائج صعبة على المدى البعيد. ولذلك فإن كل قطرة مياه أمطار تصل إلى أرض جازان يجب أن ينظر إليها باعتبارها فرصة لتعزيز مخزوننا المائي وحماية أمننا الزراعي.
الأمن الزراعي هو أمن وطني.
فالزراعة ليست مجرد مهنة يمارسها المزارع، وإنما هي جزء من منظومة الأمن الغذائي للمملكة. وفي ظل ما يشهده العالم من أزمات وصراعات واضطرابات وتحديات في سلاسل الإمداد، أصبحت المحافظة على الموارد المائية والأراضي الزراعية وتعزيز الإنتاج المحلي مسؤولية وطنية مشتركة.
ونحن اليوم بحاجة إلى كل قطرة ماء نستطيع المحافظة عليها، لكي نزرع بها شجرة، وننتج بها محصولًا، ونوفر بها غذاءً للوطن والمواطن.
ومن هذا المنطلق، أتمنى من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالعزيز بن محمد بن عبدالعزيز آل سعود، أمير منطقة جازان، حفظه الله، أن يحظى ملف مياه السيول والزراعة والمياه الجوفية بعناية خاصة، وأن تتم دراسة واقع المنطقة دراسة شاملة تبحث في أفضل السبل للاستفادة من مياه الأمطار والسيول دون الإضرار بالمدن والقرى أو تعريض السكان والمنشآت للخطر.
كما أتمنى تشكيل لجان متخصصة تضم الجهات الحكومية ذات العلاقة، وخبراء المياه والزراعة والهيدرولوجيا، إلى جانب الاستفادة من خبرات المزارعين من أبناء المنطقة الذين عاشوا مع الأرض والسيول والآبار، ويملكون معرفة ميدانية بطبيعة الأودية ومجاري المياه والأراضي الزراعية.
إن اجتماع العلم والخبرة الميدانية يمكن أن يضع حلولًا عملية تناسب طبيعة جازان، وتحافظ على حقوق الجميع، وتحمي المدن والقرى، وفي الوقت نفسه تزيد الاستفادة من مياه السيول بدل فقدانها.
جازان تمتلك الأرض الخصبة، والمزارعين أصحاب الخبرة، والمناخ الذي يسمح بإنتاج العديد من المحاصيل، وما نحتاجه اليوم هو إدارة مستدامة للمياه تحافظ على هذه المقومات للأجيال القادمة.
فربما تكون قطرة الماء التي نتركها اليوم تذهب إلى البحر، هي ذاتها القطرة التي كان يمكن أن تحيي بها أرضًا، أو تنبت بها شجرة، أو تنتج بها ثمرة، أو تساهم في توفير غذاء لمواطن غدًا.
حماية مياه جازان ليست مطلبًا للمزارعين وحدهم، بل مسؤولية وطنية، لأن حماية الماء حماية للأرض والزراعة والغذاء ومستقبل الأجيال.
وأملنا كبير في قيادتنا الرشيدة، وفي سمو أمير منطقة جازان، أن تجد هذه المناشدة طريقها إلى الدراسة والاهتمام، وأن نرى مستقبلًا إدارة أكثر شمولًا لمياه السيول، تحفظ للمنطقة ماءها وأرضها وزراعتها، وتحقق التوازن بين حماية الإنسان والاستفادة من نعمة المياه.
جازان تستحق أن تبقى خضراء، ومياهها ثروة وطنية تستحق أن نحافظ عليها.



