حين تصبح العزلة اختيارًا

ايمان علي الغامدي
هناك أشخاص بلغوا من الوعي مرتبة سامية، فتشعر بقربهم بسكينة غريبة. هادئون، دقيقون في انتقاء كلماتهم، لا تسمع منهم لفظًا جارحًا، ولا كلمة عابرة بلا معنى. يعرفون أن للكلمة أثرًا، وأن بعض الجراح تبدأ من جملة قيلت باستخفاف وظلت في قلب أحدهم أعوامًا.
غالبًا ستجد هؤلاء أكثر ميلًا للوحدة، لا لعجزهم عن تكوين العلاقات، ولا لأنهم يكرهون الناس، بل لأن اتساع وعيهم جعلهم أكثر انتقائية فيما يسمحون له بالدخول إلى أرواحهم.
فالوعي لا يجعلك تعرف الناس أكثر فحسب؛ بل يجعلك تعرف ما الذي يليق بك، وما الذي لم يعد بإمكانك احتماله.
تصل إلى مرحلة لا تعود فيها كثرة العلاقات إنجازًا، ولا كثرة الأحاديث مؤنسًا، ولا وجود الناس حولك دليلًا على أنك لست وحيدًا. قد تجلس وسط جمعٍ كبير وتشعر بغربة لا تشعر بها وأنت بمفردك.
ومع الوقت، تصبح حساسًا تجاه أشياء كنت تتجاوزها سابقًا؛ يزعجك الحديث الذي يقوم على التقليل من الآخرين، والنميمة التي تُقدَّم على هيئة تسلية، والكلمة الجارحة التي يعقبها صاحبها بعبارة: «كنت أمزح»، والعلاقات التي لا تقوم إلا على المصلحة، والاعتذارات التي تُقال دون أن يتغير بعدها شيء.
لا لأنك أصبحت مثاليًا، بل لأنك أدركت تكلفة كل ذلك على سلامك الداخلي.
وهنا تبدأ غربلة هادئة.
تقل الدوائر، وتصبح الأبواب أضيق، ولا يعود كل من طرقها جديرًا بالدخول. قد تبدو للآخرين منعزلًا، بينما أنت للمرة الأولى تعرف تمامًا لماذا اخترت هذه المسافة.
فالإنسان حين ينضج لا يبحث عن شخص يملأ فراغ يومه، بل عن روحٍ لا تضطره إلى إفراغ نفسه بعد كل لقاء معها.
وأصعب ما يمنحه الوعي للإنسان أنه يجعله عاجزًا عن العودة إلى بعض الأشياء بعد أن يراها على حقيقتها. لا تستطيع أن تتجاهل الإساءة بعدما فهمت معناها، ولا أن تسمي الاستنزاف حبًا، ولا المصلحة صداقة، ولا الضجيج حياة اجتماعية.
لذلك قد تكون الوحدة أحيانًا ثمنًا للوعي.
ثمنًا مؤلمًا، نعم، لكنه أرحم من أن يعيش الإنسان محاطًا بعلاقات كثيرة، بينما يضطر في كل واحدة منها إلى التخلي عن جزء من نفسه حتى يبقى مقبولًا.
ومبدأ هؤلاء ليس: «نحن أفضل من الآخرين».
بل هو أبسط وأعمق:
العزلة أجمل من صحبةٍ تُفسد سلامك، والوحدة أرحم من ازدحامٍ تشعر فيه أنك وحدك.
فالوعي الحقيقي لا يجعلك تحتقر الناس؛
إنما يجعلك أكثر حرصًا على اختيار من يشاركك الطريق
ايمان القحطاني



