لا تؤجّلوا الحب

عبدالله شراحيلي
في زحام الحياة، كثيرًا ما ننشغل بمن حولنا، ونؤجل كلمةً جميلة، أو عناقًا طال انتظاره، أو رسالةً تقول: «وجودك يعني لي الكثير». نؤجل التعبير عن محبتنا، وكأن الأيام مضمونة، وكأن الذين نحبهم سيبقون دائمًا على الموعد نفسه، وفي المكان نفسه، وبالقرب نفسه.
لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا فرصةً ثانية.
كم من إنسانٍ غاب، فترك وراءه أسئلةً لا تنتهي: لماذا لم أقل له ما كان يستحق أن يسمعه؟ لماذا أخّرت شكري؟ لماذا ظننت أن الوقت طويل، وأن الغد سيأتي حاملاً فرصةً أخرى؟
إن أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن نحب ليس الأشياء باهظة الثمن، ولا الكلمات المنمقة، وإنما أن يشعروا بأن حضورهم في حياتنا نعمة، وأننا نراهم، ونقدّرهم، ونحفظ لهم جميلهم في قلوبنا.
قدّروا من تحبون وهم بين أيديكم، لا حين تصبح صورهم في الذاكرة.
قولوا لهم إنكم ممتنون لوجودهم، واشكروا لهم مواقفهم الصغيرة قبل الكبيرة، وامنحوهم من وقتكم واهتمامكم ما يجعلهم يشعرون بمكانتهم الحقيقية.
فالكلمة الطيبة لا تُنقص من قدر قائلها، والاعتذار لا يهزم الكرامة، والاحتواء لا يعني ضعفًا، والتعبير عن المشاعر ليس ترفًا؛ بل هو أحد أجمل وجوه الإنسانية.
وإذا جاءت المسافات، أو فرضت الحياة غيابًا لا نريده، فلا نجعل البعد مقبرةً للعلاقات، بل فرصةً لمراجعة ما انكسر، وترميم ما تصدّع، وإعادة اكتشاف قيمة من نحب. فبعض المسافات تعلّمنا ما عجز القرب عن تعليمه، وبعض الغياب يجعلنا نرى الأشخاص بقلوب أكثر صفاءً، وعيون أكثر إنصافًا.
ليس المهم أن نعود كما كنا دائمًا؛ فبعض العلاقات تحتاج إلى عودةٍ أكثر نضجًا، وأصدق شعورًا، وأعمق فهمًا. عودةٍ لا تحمل معها عتاب الأمس، بل تحمل رغبةً صادقة في أن يكون الغد أجمل.
إن العلاقات الجميلة لا تعيش على الذكريات وحدها، وإنما تحتاج إلى عنايةٍ مستمرة؛ كلمة في وقتها، سؤال عن الحال، موقف صادق، دعاء في الغيب، واهتمام لا ينتظر مناسبة.
فلننتبه قبل أن يصبح الحضور ذكرى، وقبل أن تتحول الكلمات التي كان يمكن أن تُقال اليوم إلى حسرةٍ لا تجد طريقًا إلى صاحبها.
لا تنتظروا الغياب لتعرفوا قيمة الحضور، ولا الفقد لتكتشفوا قيمة من أحببتم.
أحبّوا من حولكم الآن، اشكروهم الآن، سامحوهم الآن، واحتضنوا قلوبهم ما دمتم قادرين على ذلك.
فالحياة أقصر من أن نؤجل فيها الحب، وأثمن من أن نضيّعها في العناد، وأجمل من أن نترك الذين نحبهم يرحلون وهم لا يعرفون كم كانوا عزيزين علينا.
وفي النهاية، قد لا نملك أن نمنع الغياب، لكننا نملك أن نجعل حضورنا في حياة من نحب أثرًا جميلًا، وأن نترك في قلوبهم شيئًا من دفء محبتنا، حتى إذا باعدت بيننا الأيام والمسافات، بقيت الذكرى تقول لهم:
لقد كنتَ يومًا، وما زلتَ، شيئًا جميلًا في هذه الحياة.



