مقالات و رأي

بين عزة النفس والكبرياء… خيط لا يراه الجميع

 الكاتبة / أمل بازيد
كاتبة صحفية إعلامية لايف كوتش ماجستير إرشاد نفسي

«يا عزةَ النفسِ كوني في العُلا قمرًا
فالعيشُ دونكِ مثلُ الغصنِ إن مالا
ما قيمةُ المرءِ إن ضاعت كرامتُهُ
فضلُ الكرامةِ يعلو الجاهَ والمالا»

تتجلّى قيمة الإنسان فيما يصون، لا فيما يملك؛ فالعزة خُلُق راسخ، والكرامة مبدأ لا يُساوَم عليه، ومن عرف قدر نفسه لم يسمح لأحد أن ينتقص منها. غير أن بين عزة النفس والكبرياء خيطًا دقيقًا؛ فالأولى تحفظ الإنسان من المهانة، أما الثاني فقد يدفعه إلى خسارة من يستحقون البقاء.

ولعل هذا الفرق يظهر بوضوح عند الخلاف.

فليس كل من اعتذر كان وحده المخطئ، وليس كل من بادر بالصلح كان الأضعف. أحيانًا يعتذر الإنسان لأنه أدرك أن ما بينه وبين الآخر أثمن من أن يتركه رهينة للعناد، وأن الانتصار في موقف لا يستحق دائمًا خسارة إنسان.

وقد تحمل كلمة «أنا آسف» معنى أبعد من حروفها؛ فقد تقول في صمتها: لا أريد للحظة غضب أن تهدم ما بنيناه، ولا لكبريائي أن يكون أثمن منك.

وهنا تظهر معادن البشر.

فالاعتذار الصادق يحتاج إلى شجاعة؛ لأنه يقتضي أن يراجع الإنسان نفسه، ويتحمّل مسؤوليته، ويتراجع عن عناده حين يدرك أن الاستمرار فيه لن يصنع إلا مزيدًا من المسافات.

وفي المقابل، يحتاج قبول الاعتذار إلى نُبل مماثل.

فإذا جاءك إنسان متجاوزًا كبرياءه، فلا تجعل اعتذاره فرصة للانتصار عليه، ولا تستقبل اليد التي امتدت لترميم ما انكسر بمزيد من الكسر. احفظ له كرامته كما أردت منه أن يحفظ كرامتك؛ فالعلاقات الناضجة لا تحتاج إلى منتصر ومهزوم، بل إلى شخصين يعرفان متى يتراجعان حتى لا يخسرا بعضهما.

فالصفح ليس ضعفًا، بل قدرة على تجاوز الإساءة حين يكون التجاوز أسمى وأبقى. وقد جاءت الآية في سياق حادثة الإفك، حين مسطح بن أثاثة رضي الله عنه ممن خاضوا فيها، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ينفق عليه، فحلف أن يقطع عنه النفقة، فنزل التوجيه بالعفو والصفح، فعاد أبو بكر إلى إحسانه.

لكن العفو لا يعني غياب البصيرة، وقبول الاعتذار لا يعني أن تمحو الكلمات آثار الأفعال.

فالاعتذار الحقيقي لا يُقاس ببلاغة «أنا آسف»، بل بما يأتي بعدها: أن يتغير السلوك، وألا يتكرر الأذى، وأن يتحمل الإنسان مسؤولية ما فعل. وهنا يظهر الفارق بين من يعتذر لتنتهي المشكلة، ومن يعتذر لأنه فهمها ولا يريد أن يصنعها مرة أخرى.

فالكرامة لا تعني أن نغلق الأبواب في وجه كل من أخطأ، كما أن التسامح لا يعني أن نبقيها مفتوحة لمن اعتاد الإساءة.

النضج أن نعرف متى يكون العفو سموًا، ومتى تكون المسافة حكمة، ومتى يستحق الإنسان فرصة أخرى، ومتى تكون الأفعال قد قالت ما لم تعد الكلمات قادرة على تغييره.

إن العلاقات الإنسانية لا يحفظها أناس لا يخطئون؛ فهذا مطلب يتجاوز طبيعة البشر. إنما يحفظها أناس يعرفون ماذا يفعلون بعد الخطأ: أحدهم يمتلك شجاعة الاعتذار، والآخر يمتلك نُبل الصفح، وكلاهما يدرك أن صون الكرامة لا يتعارض مع بقاء المودة.

فلا تخسر إنسانًا صادقًا لأنه أخطأ ثم عاد معتذرًا، ولا تتمسك بإنسان يكرر الخطأ لمجرد أنه يجيد الاعتذار؛ فصدق الاعتذار لا تثبته الكلمات، بل تثبته الأفعال التي لا تعيدنا إلى الجرح نفسه.

همسة أمل

بعض البشر لا نجدهم كل يوم؛ أولئك الذين يعبرون المسافة بين الكبرياء والاعتذار حتى لا يخسروا من يعنيهم بقاؤه.

فإذا جاءك أحدهم صادقًا، فلا تكسر فيه ما جاء ليصلحه بينكما. رمّم كرامته كما حاول أن يرمّم ما انكسر، وتذكّر أن عزة النفس تحمينا من الإهانة، أما الكبرياء فقد يحرمنا أحيانًا من أشخاص كان بقاؤهم يستحق شيئًا من العفو.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى