«نازا»… حين تكشف الشهادات من الداخل الوجه الحقيقي لإسرائيل!

بقلم/ هيثم عبد الحميد
لا تأتي أهمية الفيلم الوثائقي البريطاني «نازا» (NAZA) من كونه عملاً سينمائياً جديداً فحسب، بل من مصدر روايته أيضاً. فالفيلم، الذي أخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، يعتمد على شهادات 24 ضابطاً وجندياً إسرائيلياً مجهولي الهوية، يتحدثون عن آليات الاستهداف التي استخدمت في الحرب على غزة.
وبحسب ما يورده الفيلم، لم تكن الضربات تُنفذ دائماً في ظل غياب المعلومات عن وجود المدنيين؛ بل تكشف الشهادات عن معرفة مسبقة بوجود نساء وأطفال داخل منازل أو مبانٍ مستهدفة، وعن تقديرات للضحايا المدنيين تُدرج ضمن حسابات القرار العسكري قبل تنفيذ الغارة. وهنا تتحول القضية من «خطأ» أو «حادث عرضي» إلى سؤال أكثر قسوة: هل أصبح قتل المدنيين جزءاً متوقعاً ومقبولاً في منظومة الاستهداف؟
الفيلم لا يروي حادثة منفردة ولا يكتفي بمشاهد الدمار التي عرفها العالم على مدى شهور طويلة، بل يحاول تفكيك نظام كامل يعمل خلف الشاشات: مراقبة واختراق للهواتف، قواعد بيانات، استخدام لأدوات الذكاء الاصطناعي، تصنيف للأهداف، احتساب للخسائر البشرية المحتملة، ثم ضغطة زر تنفذ الضربة من مسافة بعيدة.
الأشد صدمة في الشهادات أن بعض الضباط والجنود يصفون أنفسهم بأنهم «تروس صغيرة» داخل آلة أكبر؛ وهي عبارة تكشف خطورة تحويل القرار الإنساني إلى إجراء تقني وروتيني. فالقتل يصبح، في هذه البيئة، أقل حضوراً في الوعي حين يُرى عبر خرائط ونقاط وإحداثيات، لا عبر وجوه الضحايا وأسمائهم وحياتهم التي تُمحى في لحظة.
إن قوة «نازا» لا تكمن فقط في الإدانة الأخلاقية، وإنما في كونه شهادة صادرة من داخل المنظومة الإسرائيلية نفسها. ولذلك فإن ما يطرحه يتجاوز الجدل الإعلامي المعتاد حول الروايات المتقابلة، ليفتح الباب أمام إدانة موثقة تتحمل المسؤولية القانونية والسياسية والأخلاقية الحكومة الإسرائيلية.
الجيش الإسرائيلي نفى الاتهامات وقال إن الشهادات مجهولة ولا يمكن التحقق منها. وزير الثقافة ميخي زوهار طالب بسحب الجنسية من المخرجين واتهمهما بالخيانة. نفتالي بينيت اتهم الفيلم بتقديم رواية «إبادة جماعية». المخرج يوفال أبراهام رد في حفل التتويج بأن السياسيين والصحفيين في إسرائيل يهاجمون الفيلم دون أن يشاهدوه.



