اختلافنا يصنع جمالنا

كاتبة رأي : ايمان المغربي
لم يخلق الله عز وجل الحياة على صورة واحدة ولم يجعل البشر نسخاً متشابهة بل جعل الاختلاف جزءاً من طبيعة الحياة نختلف في أشكالنا وألواننا وأصواتنا وطباعنا وقدراتنا وليس في هذا الاختلاف نقص فالحياة تقوم على التنوع الذي يجعل لكل إنسان صفته الخاصة ومكانه المختلف.
ونختلف كذلك في طريقة التفكير والأولويات والتعبير عن المشاعر والاختيارات وليس كل اختلاف يعني أن أحدنا على صواب والآخر على خطأ فقد يرى كل إنسان الأمور من خلال تجربته وتربيته ومعرفته وظروفه وقد يرى شخصان الموقف نفسه بصورة مختلفة لأن لكل واحد منهما قصة مختلفة.
ويبدأ الوعي حين نفهم أن اختلاف وجهات النظر لا يعني دائماً اختلاف النوايا وأن اختلاف النتائج لا يعني بالضرورة فساد البدايات فمعرفتنا محدودة وما نعرفه عن أي موقف ليس بالضرورة كل الحقيقة.
المشكلة لا تبدأ حين نختلف وإنما حين نرى اختلاف الآخر إهانة لنا فيتحول النقاش من فكرة إلى شخص ومن اختلاف في الرأي إلى حكم على النوايا وعندما نضيق بمن لا يشبهنا يتحول التنوع الذي كان يمكن أن يضيف لنا إلى سبب للابتعاد.
وبعض الناس يرفضون الاختلاف لأنهم يربطون صحة أفكارهم بموافقة الآخرين عليها فيصبح الرأي المختلف مصدر تهديد لهم مع أن وجود رأي آخر لا يلغي صحة ما نؤمن به ولا ينتقص منه.
وطريقة تعاملنا مع من يختلف معنا تكشف الكثير عن وعينا وعدالتنا أكثر مما تكشفه قدرتنا على الحديث عن المبادئ وهنا يمكن أن نسأل أنفسنا : هل نبحث عن الحقيقة أم نبحث فقط عن إثبات أننا على حق؟
من يبحث عن الحقيقة يستمع ويراجع ويقبل أن تكون زاويته غير مكتملة وإن كانت مكتملة من وجهة نظره فليس عيباً أن يعيد النظر فيها مع التأمل في وجهة نظر الآخرين وربما يخرج بوجهة نظر ثالثة تناسب الجميع أو تناسب الموقف. أما من يبحث عن الانتصار لرأيه فقد يستمع فقط ليجد ما يرد به على الآخر.
والحوار لا يبدأ بإسكات المختلف وإنما بمنحه مساحة ليقول ما لديه فقد تحمل كلماته زاوية تستحق النظر وهذا لا يعني أن نتخلى عن قناعاتنا بل أن تكون قناعاتنا نابعة من وعي وفهم لا من مجرد الاعتياد.
فالثبات أن تعرف لماذا تؤمن بما تؤمن به أما التعصب فهو أن تحتاج إلى خطأ الآخر حتى تشعر بصوابك.
وهنا يظهر الفرق بين الثبات على المبدأ والتعصب له فالثبات لا يمنعك من الاستماع أو السؤال أو احترام المختلف بينما التعصب يضيق بمجرد وجود رأي آخر.
والوعي لا يعني أن نتفق مع الجميع كما أن احترام الإنسان لا يعني الموافقة على كل ما يقوله يمكنني أن أختلف معك وأبقى على قناعتي ويمكنني أن أرفض فكرة دون أن أنتقص من صاحبها كما أن اختياري طريقاً مختلفاً لا يجعل طريقي أفضل لمجرد أنه طريقي.
ومن أكثر ما يجعلنا نخطئ في الحكم أننا نرى جزءاً من حياة الآخر ثم نحاكم الصورة كاملة ؛ موقفاً واحداً أو كلمة واحدة أو اختياراً واحداً دون أن نعرف ما سبقها من ظروف وتجارب وتفكير.
ولهذا يحتاج الاختلاف إلى عدالة قبل أن يحتاج إلى قبول والعدل أن نحكم على ما نعرفه لا على ما نتخيله وأن نفرق بين الحقيقة وبين تفسيرنا لها.
كثير من الخلافات لا تنشأ من الوقائع نفسها وإنما من الأحكام التي نبنيها عليها لذلك من الحكمة أن نتحقق قبل أن نحكم وأن نسأل قبل أن نفترض وأن نعرف قبل أن نصدر حكماً لا يمكن التراجع عنه بسهولة.
فوراء كل إنسان مساحة لا نراها وتجارب لا نعرفها وتفاصيل قد تجعل ما يبدو لنا بسيطاً نتيجة سنوات من التفكير والتجربة والتعلم.
والاستماع أحد أشكال الوعي. والاستماع لا يعني أن تغير رأيك، وإنما أن تمنح الحقيقة فرصة لأن تظهر لك من زاوية أخرى وأحياناً لا نحتاج إلى تغيير قناعاتنا بل إلى توسيعها فقد يضيف لنا الاختلاف سؤالاً جديداً والسؤال الجيد قد يغير الطريقة التي ننظر بها إلى الموضوع كله.
وفي العمل والأسرة والعلاقات، يمكن للاختلاف أن يفتح مساحات جديدة للفهم اختلاف الخبرات والقدرات قد يقدم أكثر من احتمال للحل وتعدد وجهات النظر قد يمنع القرار من أن يبنى على زاوية واحدة.
وفي الأسرة تحديداً لا ينبغي أن يصبح الاختلاف اختباراً للحب أو الانتماء ليس مطلوباً من الإنسان أن يشبه من يحب حتى يثبت أنه ينتمي إليه والعلاقة الناضجة هي التي تسمح بالاختلاف دون أن تجعل منه سبباً لفقدان الاحترام.
ومن المهم أن نفرق بين احترام الشخص واحترام كل ما يقوله وبين الاعتراف بحقه في الاختلاف وبين الموافقة على رأيه.
من حقي أن أرفض فكرة ومن حقك أن ترفض فكرتي لكن ليس من حق أحد منا أن يحول رفض الفكرة إلى انتقاص من صاحبها.
وفي الوقت نفسه احترام المختلف لا يعني الصمت عن الخطأ الواضح وإنما يعني أن يكون الحوار واعياً فنناقش الفكرة ونختلف معها دون أن نحول اختلافنا إلى إساءة للشخص.
كما أن الوعي يجعلنا نعرف متى نناقش ومتى نختلف ومتى نترك لكل إنسان مساحته فليست كل الاختلافات تحتاج إلى حل بعضها يحتاج إلى نقاش ودليل ومراجعة، وبعضها يحتاج فقط إلى أن ندرك أن اختلاف التجارب قد ينتج اختلافاً في الرؤية.
وليس من الحكمة أن نحول كل اختلاف إلى معركة يكون فيها أحدنا منتصراً والآخر خاسراً أحيانًا تكون العبارة الأكثر نضجاً هي: نحن مختلفان ولكل منا تجربته وقناعته ولا يلزم أن يلغي أحدنا الآخر حتى يبقى على قناعته.
فغاية الحوار ليست دائماً أن نصل إلى الفكرة نفسها وإنما أن نخرج بفهم أوسع للموضوع وللإنسان الذي نختلف معه.
وعندما نفهم الاختلاف بهذه الصورة يمكن أن يتحول من سبب للمسافة إلى مساحة للتعلم ومن سبب للتوتر إلى فرصة لاكتشاف زاوية لم نرها من قبل.
لقد خلق الله عز وجل هذا التنوع في البشر وجعل لكل إنسان صفاته وقدراته وتجربته ولم تكن الحياة قائمة على أن نكون صورة واحدة.
لذلك لا تخف من اختلافك ولا ترفض الآخر لمجرد أنه مختلف عنك كن واضحاً في قناعتك عادلاً في حكمك واسعاً في رؤيتك استمع قبل أن تحكم وافهم قبل أن ترفض وكن منصفاً حين تختلف.
ولا تجعل حاجتك إلى إثبات أنك على حق سبباً في خسارة إنسان لم يكن مطلوباً منه اصلاً أن يكون نسخة منك.
فالحياة لا تحتاج منا أن ننسخ بعضنا بعضًا وإنما تحتاج أن نختلف دون أن نؤذي وأن نتمسك بما نؤمن به دون أن نصادر حق الآخرين في أن يؤمنوا بما يرونه.
فجمال الحياة ليس في أن نرى الشيء نفسه بالطريقة نفسها وإنما في أن تتعدد الرؤى ويظل بيننا من الوعي ما يكفي حتى لا يتحول الاختلاف إلى خلاف.
اختلافنا لا ينقص جمال الحياة بل يصنع جمالها وربما يكون اختلافك سبب تميزك وتفردك



