إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

حين تتحوّل المناسبات إلى ساحات للقلوب المتعبة

بقلم / فوزية عباس:
ما أجمل أن نلتقي لأننا نحب اللقاء، لا لأن علينا أن نلتقي.
وما أجمل أن نذهب إلى الأعراس والمناسبات بقلوب خفيفة، نبارك للعروس، نفرح لأهلها، ونعود إلى بيوتنا محمّلين بجميل الذكريات… لا بثقل الكلمات والنظرات والمواقف.

لكن المؤلم أن بعض مجالس النساء، التي يفترض أن تكون مواطن للفرح وصلة الرحم، تتحول أحياناً إلى مساحات للتدليس والمجاملات المصطنعة، ابتسامات تخفي وراءها عتاباً وكلمات منمّقة تخفي غيرة، ومديحاً قد يكون غرضه إغاظة أخرى، بينما تجلس القلوب متحفزة، يحمل بعضها على بعض ما لا يُقال.
تلتقي الأجساد، لكن القلوب لا تلتقي.

كم من امرأة دخلت مناسبة وهي تحمل في قلبها ضيقاً من أخرى، ثم قضت السهرة تراقب لباسها، وحديثها، ومن سلّم عليها، ومن تجاهلها، ومن نالت اهتماماً أكثر منها!

وكم من كلمة قيلت على سبيل المزاح، لكنها كانت سهماً مغلفاً بابتسامة.
وكم من حديث بدأ بـ«الله يسعدها» وانتهى بغيبة، وكم من مجاملة ظاهرها محبة وباطنها مقارنة وإغاظة!

فمتى أصبح الفرح ميدانًا للمنافسة؟
ومتى أصبحت صلة الرحم اختباراً لمن ينتصر على من؟

لسنا بحاجة إلى مزيد من الأقنعة.

نحن بحاجة إلى قلوب أنظف، وصدور أوسع، ونفوس لا تبحث عن النقص في الآخرين حتى تشعر بالكمال.

تعالوا إلى مناسباتنا كما أرادها الله أن تكون:
فرحاً ،ومودة، وصلة رحم، ودعااءً، وقلوباً متحابة.

لا نريد أن تعود المرأة من عرس أو مناسبة وهي تستنزف طاقتها في تحليل كلمة سمعتها، أو نظرة فهمتها، أو موقف أوجعها، أو مقارنة أفسدت عليها فرحتها.

نريد أن نعود إلى بيوتنا ونحن نقول:
«ما أجمل هذا اللقاء… ما أطيب هؤلاء الناس… كم أسعدني أن رأيتهم.»

نريد أن تكون اللقاءات شحناً للروح، لا استنزافاً لها.
نريد أن نشتاق إلى بعضنا بعد اللقاء، لا أن نتمنى ألّا تتكرر المناسبة!

فالقلوب التي تحمل الضغائن تتعب أصحابها قبل أن تؤذي غيرهم، والغيرة لا تجعل الإنسان أجمل حين ينتقص من غيره، والكذب لا يصنع محبة حقيقية، والتدليس مهما طال لا يستطيع أن يخفي ما في الصدور.

وليتنا نتذكر أن أجمل ما يمكن أن نرتديه في مناسباتنا ليس ثوباً فاخراً ، ولا حلياً ثمينة، ولا مظهراً يخطف الأنظار…بل قلبٌ سليم.
قلب يفرح لفرح غيره دون أن يشعر أنه خسر شيئاً وقلب يستطيع أن يقول: «ما شاء الله» وهو صادق.
وقلب لا يحتاج إلى إغاظة أحد حتى يشعر بقيمته.
وقلب إذا رأى نعمة على غيره دعا له بالبركة، لأنه يعلم أن أرزاق الناس لا تنقص من أرزاقه شيئًا.
نريد نساءً إذا اجتمعن، ارتاحت الأرواح.
فإذا دخلتِ مجلساً ، فكوني إضافة لا عبئاً .
وإذا سمعتِ سراً ، فكوني ستراً.
وإذا رأيتِ نعمة عند غيرك، فباركي لها.
وإذا اختلفتِ مع أحد، فلا تفضحي ما ائتمنك عليه.
وإذا عدتِ إلى بيتك، اتركي وراءك محبة… لا جرحاً جديداً.

فنحن لا نحتاج مزيداً من العلاقات التي تستنزف أرواحنا.

نريد مجالس لا تحتاج فيها المرأة إلى أن ترتدي قناعاً، ولا تخاف أن تتحول كلماتها إلى حديث الغد.

نريد أن تخرج المرأة من العرس وهي تقول:
«ما أجملهم… ما أطيب قلوبهم… كم كان اللقاء دافئاً.»

فكفى غيرةً، وكفى مقارنة، وكفى تلميحاً، وكفى نقلاً، وكفى ابتسامات تخفي خلفها خصومات.

دعونا نعود إلى ما علّمنا إياه نبينا ﷺ من المحبة والتآخي وحفظ الحقوق، وأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا.
وقد أرشدنا نبينا ﷺ إلى معنى عظيم حين قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

فيا ليتنا نعيد للمجالس روحها، وللأعراس فرحتها، وللأرحام دفء اللقاء.

يا ليتنا إذا التقينا، تصافحت الأيدي قبل أن تتصافح الكلمات، وتصافت القلوب قبل أن تتزين الوجوه بالابتسامات.

نريد مجتمعاً إذا اجتمع أهله، اجتمعت معه المحبة.
وإذا افترقوا، بقي الود.
وإذا عادوا إلى بيوتهم، حملوا معهم ذكرى جميلة لا جرحاً جديداً.

فالحياة أقصر من أن نقضيها في الخصومات الخفية، وأثمن من أن نستهلكها في المقارنات والغيرة والمنافسة.

لنترك للآخرين ما لهم، ونترك في قلوبنا مساحة للرحمة.
ولنذهب إلى لقاءاتنا بنية واحدة:

أن نفرح، ونُفرح، ونصل من انقطع، ونحتضن من اشتقنا إليه، ونغادر المكان وقد تركنا خلفنا أثراً طيباً.

فما أجمل أن يكون حضورنا راحة، وحديثنا طيباً، وقلوبنا صافية، وغيابنا يُشعر الآخرين بأنهم افتقدوا شخصاً كان يضيف للقاء… لا شخصاً يستنزف الأرواح.

تلك هي المجالس التي نريدها…
مجالس تُقرّب القلوب، لا تُباعد بينها؛
وتُحيي صلة الرحم، لا تُثقلها؛
وتجعلنا نشتاق للقاء القادم، لا نهرب منه.

فلنعد إلى بساطة المحبة…
فلا شيء أجمل من قلبٍ لا يحمل على أحد، ولا يتمنى زوال نعمة، ولا يحتاج إلى كسر خاطر كي يشعر بأنه انتصر.

نريد أن نلتقي كما يحب الله لنا أن نلتقي: بقلوبٍ بيضاء، ونفوسٍ طيبة، ومودةٍ صادقة… ثم نعود إلى بيوتنا بخفة الروح، وابتسامة الرضا، وبركة صلة الرحم.
فبعض الناس يتركون في حياتنا أثراً جميلاً بعد رحيلهم…
وبعضهم يتركون وراءهم حطاماً لا يُرى إلا بعد فوات الأوان.

فاختاري أن تكوني من الذين إذا التقوا بالناس، أمنوا جانبهم… وإذا غابوا، أُمنت سيرتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى