مجلس التعاون الخليجي وهذه اللحظة التاريخية

بقلم/ هيثم عبد الحميد
لقد تجاوزت التحديات مرحلة العبارات الدبلوماسية المكررة. وأمن البحر الأحمر ليس ملفاً ثانوياً، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي ودول المنطقة على حماية النظام الاقتصادي العالمي من الابتزاز المسلح. السعودية قادرة على حماية مصالحها، لكنها لا ينبغي أن تتحمل وحدها كلفة الدفاع عن مصالح العالم.
الأولوية اليوم هي أن تتحول بيانات التضامن الخليجي لكي تواكب التحديات إلى برنامج عمل: حماية بحرية مشتركة، غرفة تنسيق إقليمية، تحرك دبلوماسي موحد، تحميل القوى الدولية مسؤولية أمن الملاحة، ورفع كلفة التراخي أمام الجماعات المسلحة التي تعتقد أن تهديد التجارة والطاقة يمكن أن يمر بلا حساب.
النفط والغاز ليسا مجرد سلعة في الأسواق، بل هما عصب الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب كبير في الإمدادات الخليجية سيقود حتماً إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، ويؤثر في معدلات التضخم والنقل والإنتاج والغذاء، ويضغط على اقتصادات الدول الصناعية والناشئة معاً. وإذا كانت القوى الكبرى تريد استقرار الطاقة بأسعار مقبولة، فإن عليها أن تتحمل كذلك مسؤوليتها العملية في تأمين طرق عبورها.
صحيح أن استخدام ورقة الطاقة يجب أن يبقى خياراً استثنائياً ومدروساً، وليس قراراً انفعالياً. لكن دول الخليج تمتلك من القوة ما يجعلها قادرة على التأثير في سوق الطاقة العالمية إذا تعرضت للتهديد؟!
وفي هذا السياق، يطرح البعض خياراً أكثر حدة: ماذا لو لوّحت دول مجلس التعاون بإجراءات جماعية تتصل بإمدادات النفط والغاز، أو بتعليق محدود ومؤقت للتصدير في حال فشل المجتمع الدولي في حماية الملاحة؟ ليس الهدف من هذا الطرح الإضرار بالاقتصاد العالمي أو تحويل الطاقة إلى أداة فوضوية، بل تذكير العالم بأن أمن الطاقة لا ينفصل عن أمن منتجيها وممراتها البحرية وأمن الدول المصدرة لها!
المملكة لا تدافع عن نفسها وحدها. فعندما تحمي أمن البحر الأحمر، فهي تحمي تدفق النفط والغاز، وتحافظ على استقرار الأسواق، وتمنع قفزات الأسعار، وتحمي مصالح المستهلكين والاقتصادات الكبرى قبل غيرها. غير أن العدالة السياسية والاقتصادية تقتضي ألا تُترك الرياض بمفردها في مواجهة تبعات أزمة تمس العالم كله.
بيانات الشجب والاستنكار، مهما كانت ضرورية من الناحية السياسية، لا تكفي وحدها إذا استمرت التهديدات وتجاوزت الخطوط الحمراء.
نعم، المطلوب موقف خليجي موحد، يبدأ بتفعيل أدوات التنسيق الدفاعي والبحري والاستخباراتي، والضغط الدبلوماسي المنظم على القوى الكبرى، وتحديد مسؤوليات دولية واضحة لحماية الممرات البحرية، التلويح باحتمال حظر النفط؟!
لم يعد أمن البحر الأحمر، ولا حماية طرق التجارة والطاقة، قضيةً محلية تخص المملكة العربية السعودية وحدها، لذلك فإن أي اعتداء يستهدف المملكة أو يهدد الملاحة في هذا الممر الحيوي هو اعتداء على استقرار الاقتصاد العالمي بأسره



