قطرات الندى… وشذى حب الوطن عزّنا بطبعنا

بقلم: منى الصبي
دخلت «قطرات الندى» المجلس مع والدتها، فتوقفت قليلًا وقالت:
ـ يا أمي… أشم في مجلسنا رائحة زكية، رائحة القهوة والهيل!
ابتسمت الأم وقالت:
ـ هذه رائحة مجالسنا يا ابنتي… قهوتنا وتمرنا يزيّنانها، لكن الأجمل أن قلوبنا كانت، وما زالت، تُفتح للضيف قبل الأبواب.
جلست قطرات الندى بجوار والدتها، تتأمل دلة القهوة والفناجين، بينما أخذت أمها تستعيد شيئًا من الماضي:
ـ على مثل هذه المجالس جلس آباؤنا وأجدادنا؛ يسألون عن الجار، ويكرمون الضيف، ويقفون مع المحتاج. ومع كل فنجان كانت تُروى حكاية تحمل طيبة وكرمًا ووفاءً.
سألتها:
ـ وهل ورثنا هذه الطباع منهم؟
قالت الأم:
ـ نعم. جيل يمضي وآخر يأتي، وتبقى الأصالة حين نحملها في سلوكنا؛ كرمًا، وجيرةً، وتكاتفًا، ووفاءً، وهمّة. فالكرم ليس وحده طبعنا… طباعنا الجميلة كثيرة.
وهنا بدا معنى «عزّنا بطبعنا» أقرب؛ فما نعتز به اليوم له جذور امتدت عبر الأجيال، لكن قيم الماضي لا يكفي أن نتذكرها، بل أن نجعلها حاضرة في حياتنا، ونورثها لمن يأتي بعدنا.
وفي الثالث والعشرين من سبتمبر، نستعيد ذكرى توحيد المملكة على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله-، ونستحضر مسيرة وطن انتقل من التأسيس والبناء إلى حاضرٍ نعيش منجزاته، ومستقبلٍ نشارك في صناعته.
قالت الأم:
ـ انظري حولك في اليوم الوطني؛ سترين الفرح في البيوت والطرقات، وتسمعين الشعر والإنشاد، وتشاهدين صور العز والفخر… لكن حب الوطن يا ابنتي لا ينتهي بانتهاء الاحتفال.
سألت قطرات الندى:
ـ وكيف يبقى حب الوطن حاضرًا في حياتنا يا أمي؟
قالت:
ـ يبقى حين نحافظ على قيمنا، ونتعلم، ونتقن أعمالنا، ونخدم مجتمعنا، ونحافظ على مكتسبات وطننا، ونواصل البناء بهمّة. فالماضي يمنح حاضرنا هويته، وما نصنعه اليوم هو ما سنتركه للمستقبل.
وبينما كانت الأم تصب فنجانًا آخر، قالت قطرات الندى:
ـ الآن فهمت يا أمي… لم تكن رائحة القهوة والهيل وحدها، كان معها شيء من رائحة الأصالة.
ابتسمت أمها وقالت:
ـ والأصالة الحقيقية يا ابنتي ليست فيما نحكيه فقط… بل فيما نعيشه ونتركه بعدنا.
وهنا تكمن هديتنا لوطننا؛ أن نحمل أجمل ما ورثناه من قيم، ونضيف إليه علمًا وعملًا وطموحًا، لنحمل قيمنا معنا، ونواصل بها بناء وطننا، ونمضي نحو مستقبل نصنعه بعلمنا وعملنا وهمّتنا.
نعتز بماضينا، ونصنع حاضرنا، ونمضي بهمّة نحو مستقبلنا… وعزّنا بطبعنا.



