هل أضعفت الرخصة الإعلامية مفهوم الصحافة؟

حروفي:أمل الحربي
لم تعد المشكلة فيمن يحمل كاميرا أو يحرر خبرًا، بل في اتساع الفجوة بين امتلاك صفة إعلامية وإتقان المهنة التي يفترض أن تمثلها. فالمشهد الإعلامي اليوم يطرح تساؤلًا مهمًا: هل ما زلنا نحافظ على جوهر الصحافة بوصفها مهنة قائمة على البحث والتحقق والوعي، أم أصبحنا نختزلها في صور تُلتقط، وأخبار تُحرر، وأسماء تُضاف في نهاية التغطيات؟
الرخصة تنظم الممارسة، لكنها لا تصنع صحفيًا، ولا تمنح صاحبها تلقائيًا مهارات المهنة وأخلاقياتها.
فالعمل الصحفي لا يُقاس بمجرد الحضور في الفعاليات أو توثيقها، بل بما يقدمه الصحفي من قيمة معرفية ومهنية. الصحافة بحث وتحقق وتحليل، وطرح للأسئلة، ومتابعة للقضايا، وكشف للتفاصيل التي قد لا تظهر في المشهد الأول. وهي قدرة على التمييز بين المعلومة والشائعة، والتحقق من التصريحات، والعودة إلى المصادر الموثوقة قبل النشر.
الإعلامي الواعي لا يكتفي بنقل ما يسمعه، بل يسعى إلى فهم الحدث وسياقه، ويمنح الأطراف المعنية حق الرد، ويعرض المعلومات بموضوعية وإنصاف. فالصورة قد توثق لحظة، والخبر قد ينقل واقعة، لكن المعالجة الصحفية المهنية هي التي تمنح الجمهور فهمًا أوسع لما يحدث، دون مبالغة أو تضليل أو أحكام مسبقة.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين تنظيم الممارسة الإعلامية والتأهيل المهني. فالرخصة إجراء تنظيمي، أما الكفاءة فتُبنى بالمعرفة والتدريب والخبرة والممارسة المسؤولة. وإذا غابت معايير التأهيل والتطوير، فقد تتسع المسافة بين المظهر المهني وحقيقة الأداء، ويتأثر مستوى المحتوى وثقة الجمهور بما يُنشر.
لسنا ضد الرخصة الإعلامية، ولا ضد دخول المبتدئين إلى المجال، بل نؤمن بأن الفرص المهنية ينبغي أن تكون متاحة لمن يسعى إلى التعلم والتطور. لكن إتاحة الفرصة يجب أن تترافق مع مسارات واضحة للتأهيل، ومعايير تعزز جودة الممارسة، وتحفظ للصحافة مكانتها، وتمنح الكفاءة المهنية ما تستحقه من تقدير.
كما أن الإعلام بمفهومه الواسع لا يتطابق تمامًا مع الصحافة؛ فلكل مجال أدواته ومسؤولياته، وإن اشتركا في ضرورة الدقة والمصداقية واحترام الجمهور. لذلك لا يصح الحكم على كفاءة الممارس من خلال مؤهله وحده، ولا من خلال الرخصة التي يحملها، بل ينبغي النظر إلى جودة عمله، ومدى التزامه بأخلاقيات المهنة، وما يقدمه من محتوى يضيف قيمة حقيقية.
والسؤال الذي يستحق النقاش: هل يكفي تنظيم من يحق له ممارسة النشاط الإعلامي، أم ينبغي أن يصاحبه اهتمام أكبر بالتأهيل والكفاءة والتطوير المهني؟
إن الصحافة مسؤولية تجاه الحقيقة والمجتمع، تتطلب عقلًا يبحث، وقلمًا يتحرى، وضميرًا يدرك أثر الكلمة. وهي ليست سباقًا على النشر أو وسيلة لاستعراض الحضور، بل ممارسة مهنية تستمد قيمتها من صدقها وعمقها وقدرتها على خدمة الناس.
نحن بحاجة إلى محتوى يتجاوز حدود التوثيق، وإلى ممارسات إعلامية تجعل جودة العمل أساس التقييم، وتمنح الجمهور حقه في معرفة دقيقة ومتوازنة. فالمجتمع لا يحتاج إلى الخبر وحده، بل يحتاج إلى خبر موثوق يُقدَّم بمهنية، ويعينه على فهم الأحداث بعيدًا عن التضليل والسطحية.
الرخصة قد تفتح الباب، لكن الكفاءة والممارسة المسؤولة هما ما يمنحان العمل الإعلامي قيمته ومصداقيته.



