الوداع..

الكاتبة : فاطمة روزي..
كنتُ أجلس بالقرب منها وأتأملها، لتأخذني أمواج الذكريات إلى صندوق بحار أيامي العتيقة، لأجد ما كانت تقوم به من اهتمام ورعاية في صغري، ها أنا الآن أقوم به معها، ودموعي تصارعني وأصارعها، أتأمل كيف أصبحتْ بعد القوة والشدة إلى ضعف ووهن ..
جلستُ بجانبها لأتحدثُ معها، فطلبتْ مني “قهوة”، فهرعتُ إلى الطبيب وسألته هل بإمكاني أن أحضر لوالدتي “القهوة” ..؟
فأجابني: لا مانع في ذلك بشرط ..؟
كمية قليلة ومن غير سكر ..
ذهبتُ لأحضر لها “القهوة”، وعندما عدتُ وجدتها تتحدث مع إحدى صديقاتها المقربات، لتخبرها عن وضعها وحالها، وما كان يغضبها وسبب وجودها في المشفى ..!!
ثم أغلقتْ الجوال، واتصلتْ بصديقة الطفولة وقالتْ لها: أنا في قسم العناية القلبية متعبة جدًا ولستُ على ما يرام ..! وأريد أن أوصيكِ بوصية، قولي لهؤلاء: ( ….,….,…. )، “ما أوصيتك به بالحرف الواحد”، وبعد ذلك قالتْ لي: الآن أنا “اطمأننتْ” لقد أوصيتها بوصيتي ..؟
وبينما نحن في الغرفة صارتْ تتألم من قدميها، لا تستطيع أن تنام ولا تستطيع أن تقوم، لا أسمع منها سوى “يا رب سامحني، يا رب اغفر لي”، أخذتْ ترددها مرارًا وتكرارًا ..
فحضرتْ الممرضة وكثفتْ لها العلاج، وفجأة هَجَعَتْ، وساد الغرفة صمتٌ مريب، صمتٌ أثقل على صدري من أنينها الذي كان يملأ الأركان. تيبّستُ في مكاني، وشعرتُ برعب دافئ يسري في عروقي. هل نامتْ حقًا من التعب ..؟ أم أن جسدها النحيل استسلم أخيرًا لسطوة ما ..؟
وبينما كانتْ تغط في نوم عميق، وترياق الهدوء يكتنفها، فجأة فتحتْ عينيها جاحظةً وقالتْ لي: أشعر بألمٍ مبرح في ظهري، لا أستطيع أن أتنفس، رغم أن كل شيء على ما يرام، فسألتها: بماذا تشعرين ..؟ هل ما زال هناك ألم في القلب ..؟ وهل تشعرين بالبرد ..؟
فترد: لا بل أشعر بفتور عجيب في أنحاء جسدي، لا أعلم ماذا حل بي .. ! ..
مرت الدقائق كأنها سنوات، أراقب صعود وهبوط صدرها بصعوبة، متشبثةً بالأمل في أن يكون هذا العارض مجرد عاصفة عابرة في ليل هادئ، ثم وعادتْ إلى نومها العميق وكأن شيئًا لم يكن. أنفاسها المنتظمة بدأت تملأ الغرفة مرة أخرى، تاركةً إياي في حيرة قاتلة وسط ظلام الليل الدامس ..!
حينها نسجتُ خيوطًا عنكبوتية حول تفكيري وغرقت بالبكاء، فتسربلتْ سلسلة الإدراك لدي، هل هي في سكرات الموت .. ؟ أم ماذا ..؟
فيجيب قلبي: لا، ويقول عقلي: نعم، فأستعيذ بالله من الشيطان الرجيم من دوامة الشك القاتلة، رغم أن كل الدلائل تشير بدنو الأجل ..
لم يَدُرْ في خَلَدِي أنها في شدةٍ بغمراتها تغطي عقلها وتستر وعيها، وبدأتْ تهدأ أنفاسها، وتوقف ساعديها عن الحركة، وبدأ لونها مصفرًا ممزوجًا بإحمرار على وجنتيها، ووجهها أصبح ممتلأً كالبدر الساطع، واستجابتها بطيئة، وتغط في نوم عميق كأنها في غيبوبة ..
حينها ساورتني الشكوك وأخذ بي القلق عتيا، وجلستُ بجانبها أحاول إيقاظها بشتى الطرق لأطمئن عليهاُ، وعلى حين غرة أفاقت وزجرتني ونهتني، وقالت: كفى ازعاجًا اتركيني أنام ..!
كان صباحها و مساؤها يتلبد بغيوم الرحمة الباردة، بشارات متلألئة، أبواب خير مشرعة، ونسمات هادئة، يشخص بصرها تارةً وتغفو مرة، فحين أدنو وأقترب منها تغمضها حتى لا أرى بريق عينيها، وذلك السواد الممتلئ ..
تستيقظ وتسألني نحن في أي وقت ..؟ لقد فات وقت الصلاة، لم أصلي ولا أستطيع أن أصلي، لم يمضِ وقت طويل حتى بدأتْ الملامح تتغير أكثر. شيئًا فشيئًا، أغلقتْ أمي أبواب رغباتها في هذه العجوز الشمطاء؛ فقدتْ شهيتها للطعام، ولم يعد الجوع يطرق بابها. ثم غاب العطش، فصارت رشفة الماء ثقيلة على حلقها الضعيف. كنتُ أنظر إليها بقلب عاجز وهي تنفصل عن تفاصيل عالمنا المادي برفق وبلا ضجيج ..
وقبل أن ترحل بيومين كانت نائمة، واهنة الجسد، أطرافها كالصقيع، وأطرافها التي طالما عجزت عن الحراك لشهور، رأيتها فجأة ترفعها نحو الأعلى ..!
لم تكن إشارةً عادية؛ كانت تحرك كفيها بخفةٍ غريبة وبحركةٍ إيقاعية كأنها تطرق بابًا، وشفتاها تهمسان بصوتٍ خافت، لكنه واضح ومملوء بشوقٍ لا يُصف: “افتحوا الباب، أنا قادمة” ..
تجمدتُ في مكاني، شعرتُ برعشة سرتْ في كل ذرة من أوصالي، انحنيتُ عليها مذعورة، وعبرتي تسبق لهفتي، وناديتها برفق: “أمي ..! لمن تقولي هذا الكلام..؟ من يفتح لكِ الباب” ..؟
لم تجبني ..؟ لم ترمش ..؟ ولم تلتفت ..؟ كانت غارقةً في سباتٍ روحيٍ أشبه بالرحيل المعلق بين الأرض والسماء، كيف رفعتْ يديها وهي التي لم تستطع رفعهما لتشرب أو تأكل منذ أسبوعين ..؟ من أين أتتها هذه القوة الفجائية ..؟
مرت دقائق ثقيلة كأنها قرون، وأنا أقرأ عليها آيات السكينة، حتى فجأة، فتحتْ عينيها.
كان في عينيها وميض غريب، كأنها عائدةٌ من سفرٍ بعيد. أفاقتْ بصعوبة بالغة، ثم همستْ بصوتٍ يملؤه التعب وفي حنجرتها حشرجة: “ماء” ..
أسرعتُ لأسقيها بقلبٍ يعتصره الألم، وأنا أنظر إلى وجهها الشاحب، وأدرك في قرارة نفسي أن الروح تودع الجسد، وأن ما رأيته قبل قليل لم يكن حلمًا، بل كان الباب يُفتح حقًا لمن طال تعبها، فاستقبلتْ نداءها بسلام ..
وفي آخر يوم، طلبت مني رؤية بعض الأشخاص، ووصفتهم لي بالأسماء لتوصيهم بما لديها من عهد ووداع أخير. حضرتْ تلك الوجوه التي أثقلها الهم، وتحدثتْ معهم بصعوبة بالغة، كلمات متقطعة تخرج من بين شفتيها كأنها أنفاس شحيحة من زمن مضى، توصيهم وتودعهم بنظرات عاجزة ..
رحلوا وتركوا خلفهم صمتًا ثقيلًا لم يقطعه إلا صوت الأجهزة الطبية. فجأة، دخل الطبيب المعالج وعيناه تحملان أسفًا تداركه بجدية الموقف. نظر إلى التقارير ثم التفت إليّ قائلًا: “لقد توقفت الكلية اليسرى تمامًا عن العمل” ..
تابع الطبيب بصوت خفيض يشرح الخيارات المتاحة: “الوضع تغير وتبدل فجأة بشكل حرج. يمكننا الآن تركيب جهاز لغسيل الكلى، ووضع جهاز للتنفس الصناعي لمساعدتها على البقاء”. سكتَ للحظة، ثم أضاف بلهجة تحذيرية أثقلتْ مضغتي: “علمًا أن قلبها قد توقف عدة مرات خلال الساعات الماضية، وتم إنعاشها بصعوبة”.
وقفتُ في تلك اللحظة الفاصلة بين عالمين، تتنازعني الرغبة في التمسك بأي أمل يطيل بقاءها، وبين إدراك مرير بأن جسدها المتعب يغادرنا ببطء، وأن كل جهاز يُربط بها هو قيد جديد على روح تتهيأ للرحيل ..
فأخبرها الطبيب بذلك ورفضتْ، فأخبرني أن هذا الأصلح والأفضل لها وأنها ستكون بخير بإذن الله، فاضطررتُ إلى الموافقة، وانتظرتُ بعيدًا، بعدها بشرني الطبيب بأن أمورها بخير الآن، كنتُ سعيدة وصرتُ أهرول إلى حجرتها، وتفاجأتُ بأن كل أغراضي خارج الغرفة ..!!
فغضبتُ وسألتهم، لما تم إخراج أغراضي ورميها على قارعة الطريق ..؟
هنا كانت الإجابة الصاعقة ..!! والدتك الآن ليستْ بحاجتك، هي الآن نائمة والغرفة أصبحت معقمة، فوجودك ليس له ضرورة ..!! فالمغادرة أفضل لكِ ولها ..!
عدتُ إلى المنزل وحملت أمتعتي وأنا في عالم آخر، لم أستطع النوم في حجرتي أبدًا، ذهني في سباقٍ مستمر مع فكري وروحي كأنه يدق أجراس الخطر ..! أتوسدُ البؤس والتحف العنا وأعانق الغم والهم على ضفافِ نهر النحيب، والمنزل أصبح كئيبًا باهتًا موحشًا تضيق فيه الأنفاس، كأن الحزن يلتحفه ..!
ففي مثل هذا اليوم ١٤ جماد الأولى، وفي تمام الساعة 8:00 صباحًا، صعقتُ من ذلك الحدث الجلل فقد كان كريح طاغية، هب وأطفأ ضياء الحبور وصار غسقّا يكتنفه الوصب، على شواطئه نبضات جروح مثخنة، صرخاتٌ مدوية هزت أركاني الهشة، كأن فصول السنة ألقت بتعويذة جحيم الأنين في كياني، أنه ليوم عسير دمر حانات شراييني، وغرق وجه الفرح في بيداء مضغتي الخائرة ..
ما زال صدى كلمتها الواهنة تجلجل بمحطة ذاكرة الزمان، ثم تغفو قليلًا على ذراع الخوالي لتنفض غبار الأتراح، فأقلّب صفحات الحنين على ساحة الحياة، فيفوح عطر وجهها الوضاح لألقي عليها تبجيل نظرات الحنين ..
لقد أصبحتُ بين متاهات الغياب أسيرة، وفي غيابة الجب وحيدة، كالمركب في يمٍ لجيّ أصارع مطر النسيان، وقوافل الخذلان، رباه فقدتُ وطني الرؤوم، ملجئي الدافئ، وأماني الدائم في صخب العالم وضغوطاته ..
لقد أوجعني رحيلك وقُصم ظهري، وبُتر جناحيّ الذي كنتُ أحلق بهما كيفما أشاء، فشاءت أقداري بالرضا تطوف عليها آنية الثبات، إنه حظي وقدري الذي وضع العصا في عجلات الزمن، يركلني بعد كل نهوض في هاوية جديدة ..
الوداع يا جنتي ويا قرة عيني، سأشتاق إليكِ ملء الأرض والسماء، وملء كل لحظة عشناها معًا. أفارقكِ والقلب يعتصره الحنين، لكنني أستودعكِ الله الذي لا تضيع ودائعه.
فحمدًا وشكرًا يا إلهي على جبر كسري، وحمدًا لك على نعمة الصبر والرضا بقضائك ..
اللهم ارحم والدتي التي رحلت من الدنيا دون أن تودعني واشتاقت لها روحي ولم تجدها، ربي ارحم من نامت بأحضان التراب وآنس وحدتها، واجمعني بها في جناتك يا أرحم الراحمين ..
ومضة :
سأغفو قليلاً على تلك الأحلام .. انتظر أملاً على أجمل الأنغام .. وأطوي صفحة الآلام ..



