هل تدير أنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤية قرارك القادم دون علمك؟

الدكتورة والإعلامية هبة جمال
أستاذ مساعد في جامعة اليمامة بالرياض
لم يعد التسويق الرقمي اليوم مجرد سباق على صدارة محركات البحث، بل تحول إلى ما يمكن وصفه بـ«التشكيل العاطفي الذكي»، حيث تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤية على تحليل الحالة النفسية والسلوك الرقمي اللحظي للمستخدم، بهدف استباق رغباته والتأثير في قراراته الشرائية.
وتعتمد هذه المنصات الذكية في قراءة الحالة النفسية على تقنيات الذكاء الاصطناعي العاطفي (Emotion AI)، وتحليل البيانات السلوكية الدقيقة (Micro-behavioral Data)، إذ تراقب الكاميرات والمستشعرات تعبيرات الوجه ونبرة الصوت عبر الهواتف، فيما تقيس أنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤية داخل التطبيقات سرعة التمرير (Scrolling Speed)، ومدة التوقف عند المحتوى، وأنماط النقر والتفاعل.
وتكشف هذه المؤشرات عن لحظات التوتر أو التعب أو الحماس بدقة مدهشة؛ فعلى سبيل المثال، عندما يتراجع إيقاع تمرير المستخدم للشاشة وتصبح حركته أبطأ أثناء مشاهدة إعلان عن منتج للاسترخاء بعد يوم عمل شاق، أو عندما تتسارع وتيرة نقراته ويتوقف طويلاً عند مقطع فيديو حماسي لمنتج رياضي، فإن الأنظمة التنبؤية لا تسجل مجرد اهتمام عابر، بل تحاول ترجمة هذه الإشارات الفورية إلى مؤشرات عن حالته النفسية، وتوظيفها لعرض المنتج المناسب في اللحظة الأكثر ملاءمة.
وفي هذا السياق، تؤكد دراسة نُشرت في دورية (Behavioural Public Policy) عام 2025 أن واجهات الاستخدام الذكية التي تستغل هذه النقاط العاطفية تزيد من معدلات الشراء غير التخطيطي بنسب تتجاوز 35%، بينما تشير دراسة لجامعة هارفارد عام 2021 إلى أن الإعلانات الموجهة وفقاً للحالة المزاجية تحقق تفاعلاً أعلى بنسبة 40%.
خمسة خطوات عملية للشركات الناشئة والأفراد:
1. التحول إلى نية المستخدم: صياغة المحتوى ليكون إجابة متكاملة عن أسئلة القارئ واحتياجاته، بدلاً من حشو النصوص بالكلمات المفتاحية.
2. المصداقية والخبرة: التركيز على تقديم تجارب واقعية وأرقام فعلية ومعلومات موثوقة لتأكيد المصداقية وتعزيز الثقة.
3. إجابات مباشرة: جعل العناوين والفقرات تقدم إجابات فورية ومحددة وواضحة، بما يسهل وصول القارئ إلى المعلومة.
4. التواجد متعدد المنصات: بناء حضور رقمي متكامل عبر وسائل الإعلام والمقالات الموثوقة والشبكات الاجتماعية، بما يعزز موثوقية العلامة التجارية لدى أنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤية.
5. الشفافية والخصوصية: احترام خصوصية المستخدم وتقديم معلومات واضحة بشأن جمع البيانات واستخدامها، بما يسهم في بناء جسور الثقة وتحقيق الاستمرارية.
الخاتمة:
النجاح الرقمي لا يعتمد على مجرد ملاحقة الخوارزميات، بل على فهم السلوك البشري واحتياجات الجمهور؛ فالجمع بين قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي التنبؤية واللمسة الإنسانية الصادقة هو ما يصنع الأثر المستدام، ويحقق التوازن بين التطور التقني وثقة المستخدم.



