مقالات و رأي

حين لا نجد ما نتذكّره

ليلى سعد القحطانى ✍🏻🦋
هناك طفولة لا يمكن وصفها بالصراخ أو العنف،
بل بالصمت… الصمت العميق،
حيث لا يُقال الكثير، ولا يُسأل عن شيء،
فيكبر الطفل وهو يتعلّم أن يخبّئ، لا أن يبوح.
أن يخاف، لا أن يَسأل.
أن يتأقلم، لا أن يُفهَم.
هذا النص عن أولئك الذين لم يُوجَّهوا،
بل وجدوا الطريق وحدهم، خطوة بخطوة،
وغالبًا… في الظلام.
ليس كل من صمت في طفولته كان هادئًا.
بعض الأطفال صمتوا لأن أحدًا لم يسألهم،
ولأن الأسئلة كانت أكبر من أن تجد جوابًا،
ولأن الكلام لم يكن آمنًا بما يكفي ليُقال.
هناك طفولة لا تحمل صورًا واضحة في الذاكرة:
لا موقفًا تربويًا نتعلم منه،
ولا حوارًا شكّل لغتنا،
ولا قدوةً نعود إليها حين نحتار.
طفولة مرّت كما تمر الأيام المتشابهة:
نأكل… نلبس… ننام…
وما تبقّى؟
علينا أن نفهمه وحدنا! ولكم أن تتخيلوا ذلك !
هؤلاء لم يتعلّموا الحياة لأن أحدًا علّمهم،
بل لأن الزمن اضطرّهم.
كبروا وهم يستنبطون المعنى بأنفسهم،
يجرّبون، يخطئون، ثم يعيدون المحاولة بصمت.
لم يكن في بيوتهم شرّ دائم،
لكن كان هناك فراغ:
فراغ في الشرح،
في الإصغاء،
في أن يقول أحدهم: “تعال، سأشرح لك”
كان النهي أعلى من الحوار،
والأوامر أكثر من الأسئلة،
والتوقّعات أكبر من أعمارهم.
وكان يُظن أن الفهم سيأتي وحده،
كما يأتي النوم آخر اليوم.
وأحيانًا، لم يكن الغياب عنهم جسديًا،
بل كان غيابًا في الجوهر.
لم يكن هناك من يسأل: “كيف حدث لك هذا ؟أو عليك ان تقوم بهذا أولا ؟”
لم تكن هناك نصيحة،
ولا يد تُمسك في لحظة ضعف.
ما تبقّى في الذاكرة ليس دفء التوجيه،
بل برد الخوف.
خوف من الخطأ،
خوف من الرد،
خوف من أن نكون كما نحن.
وحين سُئلوا كيف صمدوا،
قيل: لأنهم أقوياء.
لكن الحقيقة؟
هم فقط كانوا وحدهم.
وحين كبروا،
لم يجدوا في ذاكرتهم دليلًا يرجعون إليه.
لا يتذكّرون كيف نجوا من طفولتهم،
ولا كيف عبروا المراهقة،
ولا من كان يمسك بأيديهم في قلق الاختبارات
أو خوف الفشل.
كل ما يعرفونه أنهم وصلوا،
لكنهم لا يعرفون كيف.
وهنا، لا بد من قول شيء مهم:
هؤلاء ليسوا ناقصين،
هم فقط لم يُمنَحوا الخريطة،
فصنعوها بأنفسهم.
إن كنت واحدًا منهم،
فربما تتعب أكثر،
وتسأل أكثر،
وتخاف أن تكرّر ما لم تفهمه يومًا.
وهذا، بحد ذاته، وعي،
وبداية مختلفة.
التربية ليست ما نفتقده فقط،
بل ما نقرّر ألّا نعيد إنتاجه.
والشفاء لا يبدأ حين نتذكّر كل شيء،
بل حين ندرك أن غياب الذكريات
لم يكن ذنبنا.
ربما لم يكن في طفولتك من يربّت على كتفك،
لكنّك اليوم قادر أن تفعل ذلك لنفسك،
وقادر إن أردت !!
أن تكون الذاكرة الدافئة التي افتقدتها يومًا،
لأطفالك… أو لغيرك.
وهذا،
ليس قليلًا أبدًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى