مقالات و رأي

من هو الإعلامي في المشهد العربي؟

من هو الإعلامي في المشهد العربي؟

بقلم / أحمد القاري

في زمنٍ تتداخل فيه الأصوات، وتتزاحم فيه المنصّات، وتتشابك فيه الحقيقة مع الظلال، يبقى السؤال الجدير بالطرح: من هو الإعلامي؟
وهل كلُّ من حمل كاميرا، أو كتب سطرين، أو نشر مقطعاً عابراً، يستحق أن يُنسب إلى هذا الاسم الرفيع؟
“الإعلامي” صفة فاخرة لمن يصدق في دور الوسيط ونقل المعلومة والخبر، وليس مهنة عابرة، ولا لقباً يُمنح بالسهل، ولا صفة تنالها بالتواجد أو الانتشار.
الإعلامي صاحب رسالة قبل أن يكون وظيفة، وتأثير قبل أن يكون حضوراً، وأمانة قبل أن يكون شهرة.

الإعلامي هو الشخص الذي يمتلك القدرة على جمع المعلومة، وتمحيصها، ومعالجتها، وتقديمها للجمهور بوعي ومصداقية ومسؤولية، مستخدماً أدواته المهنية والأخلاقية ليكون وسيطاً نزيهاً بين الحدث والمتلقي، فهو العين التي ترى بدقة، والأذن التي تصغي بنباهة، والصوت الذي يتحدث بوعي، والقلم الذي يكتب بضمير.

هل للإعلامي الحقيقي اشتراطات؟
حتى يكون الشخص إعلامياً بالمعنى المهني والأخلاقي، لا بد له من صفات واضحة، من أهمها:

١. التأهيل العلمي: والمعرفي: ليس شرطاً أن يحمل شهادة جامعية متخصصة، لكنه حتماً يحتاج معرفة بعلوم الإعلام وأساليبه، وفهمَ البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية، وإدراك قواعد الاتصال وتأثير الرسائل على الجمهور.

٢. المصداقية والنزاهة: الإعلام بلا صدق يتحول إلى ضجيج، والمعلومة بلا أمانة تصبح سلاحاً، لذلك لا إعلامي حقيقي بلا توثيق للمصادر، وتجنب الشائعات، واحترام العقول قبل المشاهدات.

٣. مهارة التعبير: سواء بالصوت، أو الصورة، أو القلم، لا بد للإعلامي أن يكون واضح العبارة، سليم اللغة، دقيق الوصف، قادراً على تبسيط المعلومات دون تشويهها.

٤. الحضور والتأثير: ليس المطلوب أن يكون “مشهوراً” ، بل أن يكون مؤثراً بصدقه، وعقله، ورسالته، لا بعدد متابعيه.

٥. الأخلاقيات المهنية من أهمها: احترام الخصوصيات، وتجنب الإساءة والتحريض، وعدم بيع الكلمة أو الموقف لأجل مكسب أو شهرة.

ماذا يقدم الإعلامي؟
الإعلامي يقدم وعياً قبل الخبر، وتحليلاً قبل المعلومة، وتقريباً للحقيقة دون تزييف أو مبالغة، وتوثيقاً للواقع، وتفسيراً للأحداث، ومحتوى يثري لا يضلل، وثقافة تعزز وعيَ المجتمع.
هو جزء من صناعة الوعي الجمعي، وليس مجرد ناقل صور أو صانع مقاطع.

فمن يستحق أن نطلق عليه “إعلامي” ؟
للتأكيد .. الإعلامي ليس حامل الكاميرا، ولا كاتبَ سطور عابرة، ولا ناشر مقاطع تبحث عن الربح والانتشار، ولا صاحب حساب يلاحق الترند.. الإعلامي هو صاحب منهج، وصاحب رسالة، وصاحب مسؤولية.

هل المؤلف إعلامي؟
المؤلف قد يكون إعلامياً إذا كان يعمل في المجال الإعلامي أو يمارس التأثير الجماهيري عبر منصة إعلامية واضحة، لكن مجرد كتابة الكتب وحدها لا تجعل من الشخص إعلامياً؛ فالمؤلف مثقف، لكنه ليس بالضرورة إعلامياً.
وهل الشاعر إعلامي؟
الشاعر الذي يلقي قصائده أمام الجمهور صاحب تأثير فني وثقافي، ويصبح إعلامياً إذا مارس دوراً إعلامياً واضحاً، أو قدم برامج، أو شارك في تغطيات، أو كان له حضور إعلامي محترف.
فالشهرة لا تساوي الإعلام، والتأثير الأدبي لا يساوي التأثير الإعلامي.

مواصفات الإعلامي العربي المعاصر
في المشهد العربي، الإعلامي الحقيقي هو الذي يجمع بين:
١. لغة عربية سليمة ورصينة: فإن اللغة وعاء الفكر، ومن لا يحسن لغته لا يحسن رسالته.

٢. وعي سياسي واجتماعي: لأن الإعلام لا يعيش في فراغ.

٣. قدرة على التعامل مع التقنيات الحديثة: من تصوير، وإعداد، وإخراج، ومنصّات رقمية.

٤. حس إنساني رفيع: يعرف أين يضع الكلمة، ومتى يتوقف، وكيف يحترم مشاعر الجمهور.

٥. انتماء وطني ومسؤولية مجتمعية: لأن الإعلام ليس استعراضاً، بل خدمة عامة.

٦. ثقافة واسعة: أن يقرأ، ويتعلم، ويبحث، ويطور أدواته.

ولأن البلوى طغت، والطامة وقعت، أعود لأكرر قولي: ليس كلُّ من ظهر صار إعلامياً، وليس كل من كتب صار مرجعاً، وليس كل من حمل هاتفاً صار ناقلاً أميناً.
الإعلامي قيمة، ورسالة، ومنهج، وأمانة.. وهو في جوهره ضميرٌ يتحدث، لا صورة تتحرك .. هذا هو الإعلامي الذي يليق بالمشهد العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى