مقالات و رأي

قراءة تحليلية في التحول من الرفاه إلى جودة الحياة.

الترفيه بوصفه إستراتيجية دولة: كيف تعيد رؤية 2030 تعريف التطور..

أ.د. فيصل عبدالقادر بغدادي

أستاذ جامعي سابق – مستشار التخطيط الإستراتيجي

عندما تذكرت عندما كنت في قاعة التدريب حيث ما زال صدى النقاش فيها يتردد بعد دورة مكثفة عن استراتيجيات التطوير المستدام رفع أحد المتدربين يده وسأل بهدوء لافت: هل الترفيه جزء من الخطط الإستراتيجية للمملكة ورؤية السعودية 2030؟ كان السؤال، في ظاهره بسيطًا، لكنه في جوهره نافذة واسعة على فهمنا للتنمية هل هي أرقام ومشاريع فقط أم رؤية إنسانية تعيد التوازن بين العمل والحياة، وبين البناء المادي وبناء الإنسان.

لم يعد الترفيه في الدول الحديثة نشاطاً هامشياً أو ترفاً زائداً عن الحاجة، بل أصبح عنصراً إستراتيجياً في بناء الإنسان، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الإقتصاد، وصناعة الصورة الذهنية للدول.

وفي هذا السياق، تقدم رؤية المملكة العربية السعودية 2030 نموذجاً متقدماً في فهم العلاقة بين الترفيه والتطور، بإعتباره جزءاً أصيلاً من مشروع وطني متكامل، لا مجرد فعاليات أو أنشطة موسمية.

إذ تنطلق الرؤية من إدراك عميق بأن الإنسان المُنتج يحتاج إلى توازن نفسي وإجتماعي بقدر حاجته إلى العمل والإنجاز. فالترفيه المنظم يسهم في رفع مستوى الرضا العام، وتعزيز الإنتماء الوطني، وتحسين الصحة النفسية، وهي بالتأكيد عناصر تنعكس مباشرة على الإنتاجية والإستقرار المجتمعي. ومن هذا المنطلق وهذه المعايير لم يُطرح الترفيه في رؤية 2030 كبديل عن العمل، بل طُرح كمكمل متناهي الذكاء له..

واستراتيجياً أعادت المملكة تعريف قطاع الترفيه من كونه إنفاقاً استهلاكياً إلى كونه استثماراً إداقتصادياً ذا عوائد متعددة.


ولله الحمد والمنة فقد أسهمت المشاريع الكبرى، والمواسم الثقافية، والفعاليات الرياضية والفنية، في خلق وظائف جديدة، وتنشيط السياحة الداخلية والخارجية، وتحفيز قطاعي الضيافة والخدمات، بما يعزز تنويع مصادر الدخل ويقلل الإعتماد على الموارد التقليدية.

وفي نفس الوقت، لم يكن التوسع في الترفيه منفصلاً عن الهوية الثقافية للمجتمع السعودي، بل جاء ضمن إطار يحترم القيم، ويحتفي بالإرث، ويقدم الثقافة المحلية بصيغة عصرية قادرة على المنافسة عالمياً . وهذا التوازن بين الأصالة والتجديد يُعد أحد أهم ملامح التطور في الرؤية، حيث لا يُنظر للتحديث بوصفه قطيعة مع الماضي، بل امتداداً واعياً له.

ومن منظور التخطيط الإستراتيجي، فإن إدراج الترفيه ضمن برامج جودة الحياة يعكس تحولاً في فلسفة التنمية ذاتها. فالتنمية لم تعد تُقاس فقط بمؤشرات النمو الإقتصادي، بل بقدرتها على تحسين نمط حياة الفرد، وتوفير بيئة حضرية جاذبة، ومساحات عامة حيوية وكذلك خيارات متنوعة تلبي إحتياجات مختلف الفئات العمرية.

كما أسهمت الرؤية في بناء منظومة تشريعية وتنظيمية متقدمة لقطاع الترفيه، تضمن الإستدامة، وترفع معايير الجودة، وتفتح المجال أمام الشراكات مع القطاع الخاص والإستثمارات الدولية.

وهذا البعد المؤسسي الإستراتيجي هو الذي يحول الترفيه من مبادرات مؤقتة إلى صناعة متكاملة ذات أثر طويل المدى.

ولا يمكن فصل الترفيه عن الصورة الذهنية الدولية للمملكة. فقد أصبحت الفعاليات الكبرى والمشاريع الثقافية والرياضية أدوات قوة ناعمة، تعكس حجم التحول، وتقدم المملكة بوصفها دولة منفتحة على العالم، واثقة بهويتها، وقادرة على الجمع بين الحداثة والخصوصية الثقافية.

إن الترفيه في رؤية السعودية 2030 ليس هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة إستراتيجية لتحقيق مجتمع حيوي، وإقتصاد مزدهر، ووطن طموح. وهو جزء من رؤية شاملة ترى أن التطور الحقيقي لا يقتصر فقط على البنية التحتية والمشاريع العملاقة، بل يشمل الإنسان في حياته اليومية، وتجاربه، وشعوره بالرضا والإنتماء.

وهكذا، يتضح أن ما تشهده المملكة اليوم ليس توسعاً في الترفيه فحسب، بل إعادة هندسة واعية لمفهوم التطور ذاته إذ هو تطور يوازن بين العمل والمتعة، بين الإنتاج وجودة الحياة، وبين الطموح الإقتصادي والإنساني. وذلك هو جوهر رؤية 2030… حين يصبح الترفيه إستراتيجية، والتطور أسلوب حياة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى