مقالات و رأي

من الهرم الغذائي إلى النموذج الوظيفي للتغذية..قراءة بيولوجية في الإرشادات الغذائية الحديثة..

بقلم / البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق في علوم البيولوجي
وحالياً مستشار التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
يتحدث العالم الأن عن الهرم الغذائي والتحديثات التي صارت عليه من خلال الأبحاث والدراسات .. إذ لم يعد الغذاء في العلوم الحديثة مجرد وسيلة لسد الجوع أو توفير السعرات الحرارية، بل أصبح أحد أهم أدوات تنظيم الوظائف الحيوية في جسم الإنسان. ومع التطور الكبير في علوم البيولوجيا، والفسيولوجيا، وعلم التغذية الجزيئي، تغيّر المفهوم التقليدي للهرم الغذائي، ليظهر ما يمكن تسميته اليوم بـالنموذج الغذائي الوظيفي كما تعكسه الدراسات والإرشادات الغذائية الأمريكية الحديثة (2025–2030).

والصورة المعتمدة في هذه الإرشادات لا تقدّم هرماً جامداً كما كان شائعاً من قبل بل تصوراً متوازناً لتوزيع المجموعات الغذائية وفق تأثيراتها الفسيولوجة ودورها في الوقاية من الأمراض وتعزيز جودة الحياة للإنسان.والغذاء كمنظومة بيولوجية وعلى وجه الخصوص في علم الفسيولوجيا، يشرح أن الجسم يعمل وفق مبدأ الإتزان الداخلي (Homeostasis)، وأن أي خلل في المدخلات وعلى رأسها الغذاء، ينعكس مباشرة على وظائف الأعضاء، والجهاز المناعي والجهاز العصبي والهرموني ومن هنا جاء التحول من التركيز على “كم نأكل” إلى “ماذا نأكل وكيف يؤثر ذلك على الخلايا في الإنسان..

النموذج الغذائي الجديد يضع جودة المغذيات في صدارة الإهتمام، وليس عدد الحصص فقط، وهو ما يتوافق مع ما أثبتته الدراسات الحديثة حول الإلتهابات المزمنة، وأمراض القلب والسكري والسمنة… آلخ

وفي علم الفسيولوجي تعتبر البروتينات والدهون الصحية أساس البناء والتنظيم في خلايا جسم الإنسان حيث يُبرز النموذج الغذائي البروتينات الحيوانية مثل الأسماك، البيض، والألبان إلى جانب الدهون الصحية كعناصر محورية.. فالبروتينات ليست مجرد وحدات بناء للعضلات، بل تدخل أيضاً في تكوين الإنزيمات وتصنيع الهرمونات بالإضافة إلى دعم الجهاز المناعي..
أما الدهون الصحية مثل زيت الزيتون والمكسرات فلها دور أساسي في بناء أغشية الخلايا وإمتصاص الفيتامينات الذائبة في الدهون وكذلك دورها في تنظيم الإشارات العصبية والهرمونية

وهذا يعكس فهماً فسيولوجياً عميقاً لوظيفة الغذاء على مستوى الخلية… ويعتبر خبراء التغذية الخضروات والفواكه خط الدفاع الوقائي إذ أن إحتلال الخضروات والفواكه مساحة كبيرة في النموذج الغذائي ليس أمراً شكلياً بل نتيجة أبحاث أثبتت دورها في تقليل الإجهاد التأكسدي وتعزيز كفاءة الجهاز المناعي والوقاية من الأمراض غير السارية..
أما الألياف الغذائية،والفيتامينات، والمركبات النباتية النشطة حيوياً تمثل ما يمكن تسميته بـالجهاز الوقائي الصامت داخل الجسم الإنساني العجيب..

كما ينوه خبراء التغذية بأن الحبوب الكاملة لها دور كبير في إدارة الطاقة لا تخزينها حيث أن إبقاء الحبوب الكاملة في قاعدة النموذج الغذائي يعكس وعياً بأهميتها في تنظيم سكر الدم، وتحسين التمثيل الغذائي ودعم صحة الجهاز الهضمي بعيداً عن الحبوب المكررة التي ترتبط بإضطرابات ميتابولزمية أيضية معروفة ..

والنموذج الغذائي الحديث لا يهدف فقط إلى تحسين نمط الأكل، بل إلى بناء إنسان صحي على المدى الطويل والمستدام وتقليل العبء الصحي والإقتصادي للأمراض المزمنة. وهنا يتقاطع علم التغذية مع التخطيط الإستراتيجي للصحة العامة، حيث يصبح الغذاء أحد أهم أدوات الإستدامة الصحية.

وأختم مقالتي منوهاً بأن التحول في الهرم الغذائي هو في حقيقته تحول في الفكر العلمي تحول فكري من غذاء يُستهلك إلى غذاء يُدار بوعي. وبالنسبة للمتخصصين في علوم البيولوجي، فإن هذا النموذج يمثل دعوة لإعادة تثقيف وتوعية المجتمع غذائياً على أسس علمية، تجعل من الغذاء شريكاً في بناء الصحة، لا سبباً في هدمها..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى