مقالات و رأي

العلاج بطريقة مولانا .. من الاتزان النفسي إلى صناعة القرار القيادي.

بقلم/ البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أكاديمي متخصص في علم الأحياء – مستشار التخطيط الاستراتيجي والقيادة
وقع بين يدي، في معرض الكتاب الذي أُقيم في جدة الشهر الماضي، كتاب العلاج بطريقة مولانا للكاتب والطبيب النفسي نفزات تارهان. وقد استوقفني عنوانه منذ الوهلة الأولى، فاقتنيته بدافع الفضول المعرفي، على أن أعود إليه حين يحين الوقت المناسب.
وحين قرأته لاحقاً، وجدت نفسي أمام عمل يتجاوز كونه كتاباً في العلاج النفسي، ليغدو مدخلاً عميقاً لفهم الاتزان الداخلي بوصفه شرطاً جوهرياً لصناعة القرار، ولا سيما في سياقات التخطيط والقيادة.

يقدّم تارهان قراءة نفسية معاصرة في نصوص جلال الدين الرومي، مستنداً إلى خلفيته الأكاديمية والطبية، ما يمنح الطرح مصداقية علمية واضحة. غير أن اللافت في هذا العمل أنه لا يتعامل مع المثنوي بوصفه نصاً وعظياً أو روحانياً مجرداً ، بل كنص إنساني ثري بالتجارب النفسية القابلة للتحليل العلمي والتوظيف العلاجي.
والمثنوي – بوصفه نمطاً شعرياً قائماً على البيت المزدوج – أتاح للرومي سرداً عميقاً للتجربة الإنسانية، حتى غدا عنده لسان الروح وجسراً بين العقل والعشق.

ينطلق الكتاب من فرضية محورية مفادها أن كثيراً من الإضطرابات النفسية لا تنشأ من الواقع الخارجي بقدر ما تنبع من طريقة إدراكه. وعند إسقاط هذه الفكرة على عالم القيادة الإستراتيجية، تتكشف حقيقة بالغة الأهمية آلا وهي:-
أن الخلل في القرار لا يعود غالباً إلى نقص المعلومات، بل إلى اضطراب داخلي غير مدرك بأسبابه.
فالقائد، مهما امتلك من أدوات تحليل، يظل أسير حالته النفسية لحظة اتخاذ القرار.

ويؤكد الكتاب أن تضخم الأنا، والخوف من الفقد، والتعلّق المفرط بالنتائج تمثل جذوراً مشتركة بين الإضطراب النفسي وسوء التقدير القيادي. ويصف علم النفس الحديث هذه الحالات بأنها مصادر رئيسة للتحيز المعرفي، والإندفاع أو الجمود، وهي من أخطر ما يواجه القادة في البيئات المعقدة والمتغيرة.
ومن هنا، يغدو الإتزان النفسي ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل كفاءة قيادية عليا.

ومن أبرز إسهامات الكتاب إعادة الاعتبار للألم بوصفه رسالة لا تهديداً . فبدل الهروب من القلق أو إنكاره، يدعو المؤلف إلى فهمه وتحليله واستخلاص معناه.
قيادياً ، يعزز هذا الطرح قدرة القائد على التعامل مع الأزمات دون تهور، وعلى قراءة التحديات باعتبارها إشارات للتعديل والتطوير، لا دوافع للإنكار أو التصعيد.

كما يولي الكتاب أهمية كبرى لمفهوم المعنى، وهو مفهوم محوري في علم النفس الوجودي. فالقائد الذي يفقد المعنى يتحول إلى أسير للضغط، سريع الانفعال، قصير النفس الإستراتيجي.
أما القائد المتصل بمعنى أعمق، فيمتلك قدرة أعلى على الصبر، وتحمل الغموض، واتخاذ قرارات متزنة حتى في غياب اليقين الكامل. هنا يصبح القرار انعكاساً لمنظومة قيم، لا مجرد استجابة ظرفية.

ويُظهر الكتاب، عبر القصص الرمزية لجلال الرومي، أن كثيراً من الصراعات الخارجية ليست سوى إسقاطات لصراعات داخلية غير محسومة ،وهي رؤية قيادية عميقة أن القائد الذي لم يُصالح ذاته، ولم يفهم دوافعه ومخاوفه، غالبًا ما ينقل توتره إلى مؤسسته وقراراته.
فالقيادة، في جوهرها، تبدأ من الداخل قبل أن تُمارس في الخارج.

ولا يدّعي العلاج بطريقة مولانا أنه بديل للعلاج النفسي الإكلينيكي أو للتدريب القيادي المنهجي، لكنه يقدّم إطاراً تكاملياً يعيد التوازن إلى المعادلة القيادية بين العقل والقيم، بين التحليل والوعي الذاتي. وهو إطار بالغ الأهمية في زمن تتزايد فيه الضغوط، وتتقلص فيه مساحات التأمل لدى القادة.

وخلاصة القول:
إن جودة القرار لا تنفصل عن سلامة الداخل النفسي، وأن القائد المتزن هو الأقدر على اتخاذ قرارات شجاعة، أخلاقية، ومستدامة.
فقبل أن نسأل ما هو القرار الصحيح؟
ينبغي أن نسأل أولًا من هو الإنسان القائد الذي سيتخذه؟؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى