الانفتاح الدولي الذكي للجامعات في ضوء رؤية السعودية 2030.
من التبادل الأكاديمي إلى الشراكات الإستراتيجية المستدامة..

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
بعد مقالتي السابقة “كيف ننهض بالجامعات دون الهوس بالتصنيفات: رؤية إستراتيجية نحو المستقبل” وكنت قد ذكرت فيها إنفتاح الجامعات على العالم الخارجي يجب أن يكون ذكياً ، وقد طلب مني أحد المعارف أن أكتب عن التعاون الذكي وإنفتاح الجامعات على العالم الخارجي..
والحقيقة لم يعد الانفتاح الدولي للجامعات ترفاً أكاديمياً ، بل أصبح أحد أعمدة التنافسية المؤسسية وبناء رأس المال المعرفي في عالم تقوده المعرفة والابتكار.
وفي سياق رؤية السعودية 2030، يتجاوز مفهوم الانفتاح الدولي من مجرد استقطاب الطلبة أو توقيع مذكرات تفاهم شكلية، ليصبح انفتاحاً ذكياً مخططاً، تقوده القيادة الجامعية، ويُدار وفق أسس التخطيط الإستراتيجي، ويخدم أولويات الوطن التنموية.
وهناك تحول في مفهوم الانفتاح الدولي والتعاون الخارجي إذ
ارتبط الانفتاح الدولي للجامعات تأريخياً بالتبادل الطلابي، أو المشاركة في مؤتمرات دولية، أو إدراج أسماء جامعات عالمية في اتفاقيات عامة. إلا أن هذا النموذج لم يعد كافياً في هذا العصر وهو عصر اقتصاد المعرفة والتنافس على الابتكار.. والانفتاح الذكي اليوم يعني عدة معايير وهي على النحو التالي:-
1• اختيار الشركاء الدوليين بناءً على قيمة مضافة حقيقية.
2• توجيه التعاون نحو برامج نوعية تخدم الأولويات الوطنية.
3• نقل المعرفة وبناء القدرات، لا مجرد استيراد النماذج.
وهنا تتؤام وتتقاطع الجامعات السعودية مع رؤية 2030 التي تؤكد على جودة المخرجات، والمواءمة مع سوق العمل، وتعظيم الأثر التنموي للبحث العلمي.
والتعاون الذكي يعتمد على التخطيط الإستراتيجي كحاكم للانفتاح الدولي، حيث أن الانفتاح غير المخطط قد يتحول إلى عبء مؤسسي وربما نقطة ضعف بدلاً من أن يكون فرصة. ومن هنا، فإن التخطيط الإستراتيجي يمثل الإطار الحاكم لأي توجه دولي ناجح..
والحقيقة فإن الجامعة الذكية لا تسأل: مع من نتعاون بل تسأل
عدة أسئلة مهمة جداً
• ما الفجوات المعرفية التي نحتاج إلى سدها؟
• ما القطاعات الوطنية ذات الأولوية (الصحة، الطاقة، الذكاء الاصطناعي، الأمن الغذائي…)؟
• كيف يخدم هذا التعاون خطتنا الإستراتيجية ومؤشرات الأداء ؟
وعند الإجابة على هذه الأسئلة فإنه بعد ذلك يمكن الإنطلاق بوضوح نحو التعاون والإنفتاح الدولي الذكي..
وعليه، فإن من واجب القول أن نؤكد بأن الشراكات الدولية الناجحة هي تلك التي:
• تُدرج ضمن الخطة الإستراتيجية للجامعة.
• ترتبط بمؤشرات قياس واضحة (KPIs).
• تُراجع دورياً وفق نتائجها الفعلية، لا وفق صورتها الإعلامية.
وبالتأكيد يبرز هنا دور القيادة الجامعية ممثلة في الإدارة العليا ودورها في توجيه الانفتاح
إذ لا يمكن تحقيق انفتاح دولي ذكي دون قيادة جامعية واعية تمتلك رؤية، وشجاعة اتخاذ القرار، وقدرة على الموازنة بين الطموح والواقعية.
والقيادة هنا لا تُدار بالعلاقات فقط، بل بفهم عميق للتحولات العالمية في التعليم العالي ،
وبقدرة على التفاوض الإستراتيجي مع الشركاء الدوليين وكذلك بحس وطني يضمن أن يكون الانفتاح في خدمة مصلحة الوطن لا استنزاف موارده.
وفي طل رؤية 2030 يعتبر القائد الجامعي هو قائد يستطيع أن
يربط التعاون الدولي ببناء الإنسان السعودي..وله القدرة الحقيقية أن يحوّل الجامعات إلى منصات إنتاج معرفة، لا مجرد مستهلكة لها.
وكذلك فإن القائد الجامعي يؤمن بأن الجودة والاستدامة أهم من الكم والإنتشار الشكلي.
ولا يكتمل التعاون الدولي إلا بتعميق البحث العلمي ونقل المعرفة إذ يعتبر البحث العلمي القلب النابض لأي انفتاح دولي حقيقي. فالجامعات المتقدمة عالمياً لا تُقاس بعدد اتفاقياتها، بل بتأثير أبحاثها المشتركة، وبراءات الاختراع، وحلولها التطبيقية.
وفي سياق الرؤية السعودية يُعد توجيه البحث العلمي المشترك نحو عدة معايير وهي ؛-
• التحديات الصحية والبيئية.
• التقنيات المتقدمة.
• التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
تجسيدًا عملياً لرؤية 2030 التي تسعى إلى اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة.
ورغم أهمية التصنيفات العالمية، إلا أن الانفتاح الدولي الذكي لا يجب أن يُختزل في تحسين ترتيب الجامعة فقط. فالتصنيف وسيلة، وليس غاية.. لأن الجامعة الرائدة هي التي تُسهم في حل مشكلات مجتمعها..وتُخرّج كفاءات قادرة على المنافسة عالمياً وتُحقق أثراً وطنياً ملموساً حتى وإن لم ينعكس مباشرة في التصنيفات.
وخلاصة القول فإن الانفتاح الدولي الذكي للجامعات في ضوء رؤية السعودية 2030 ليس مساراً شكلياً ، بل خياراً إستراتيجياً يتطلب تخطيطاً محكماً، وقيادة واعية، وشراكات ذات معنى. هو انفتاح ينقل المعرفة ويوطنها، ويخدم الوطن قبل المؤسسة، ويصنع جامعة عالمية التأثير… لا مجرد حاضرة في الخريطة الجامعية الدولية.



