الاحتراق الوظيفي… خطر صامت في بيئة العمل الحديثة

منال سالم
في عصر تتسارع فيه وتيرة العمل وتتزايد فيه الضغوط، أصبح الاحتراق الوظيفي موضوعًا محوريًا في المجتمعات المهنية، إذ لا يقتصر أثره على الموظف وحده، بل يمتد ليؤثر في بيئات العمل والاقتصاد والمجتمع ككل.
فالاحتراق الوظيفي لم يعد مجرد مصطلح نفسي، بل أصبح ظاهرة متفشية تؤثر في جودة حياة الملايين من العاملين في مختلف القطاعات.
ما هو الاحتراق الوظيفي؟
الاحتراق الوظيفي هو استنفاد نفسي وعقلي وجسدي تدريجي نتيجة التعرض المستمر لضغوط العمل، دون قدرة الفرد على التعامل معها بشكل صحي. ويتمثل في شعور الموظف بالإرهاق المزمن، تراجع الحماس، استياء من العمل، وانخفاض كبير في الإنتاجية.
أسباب الاحتراق الوظيفي: أكثر من مجرد إرهاق
١. ضغط العمل المستمر وتراكم المهام
يعد ضغط العمل المتواصل من الأسباب الرئيسية للاحتراق الوظيفي، خاصة عندما تكون المهام ثقيلة ولا تتناسب مع الموارد المتاحة.
٢. غياب التوازن بين العمل والحياة الشخصية
مع الاعتماد على الساعات الطويلة والانشغال المستمر، يفقد الموظف وقته الخاص، ما يؤثر سلبًا على صحته النفسية والجسدية.
٣. ضعف التواصل والدعم داخل المؤسسة
غياب الحوارات المفتوحة بين الموظفين والإدارة، وعدم وجود دعم نفسي أو اجتماعي، يجعل الموظف يشعر بالعزلة والإنهاك.
٤. أهداف غير واضحة أو توقعات غير واقعية
عندما تكون الأهداف غير واضحة أو غير قابلة للتحقيق، يشعر الموظف بالتوتر المستمر، ويتراجع تحفيزه.
٥. ثقافة العمل القائمة على المكافآت السلبية
التركيز على العقاب بدلًا من التقدير والتحفيز يولد حالة من التوتر والخوف لدى الموظفين.
علامات مبكرة تستحق الانتباه
يمكن ملاحظة مؤشرات الاحتراق الوظيفي مبكرًا إذا كان الموظف يعاني من:
شعور دائم بالتعب والإنهاك.
انخفاض كبير في التركيز والأداء.
مشاعر سلبية تجاه العمل وزملاء العمل.
اضطرابات في النوم أو زيادة القلق.
سلوكيات انسحابية أو عزلة اجتماعية.
كيف تحمي موظفيك من الاحتراق الوظيفي؟
أثبتت الدراسات أن المؤسسات التي تعتني بصحة موظفيها النفسية تحقق نتائج إيجابية واضحة في الأداء والإبداع والاستدامة. وإليك خطوات عملية يمكن أن تتبناها الشركات:
✔ وضع أهداف واضحة وقابلة للتحقيق
عندما يتفهم الموظف ما هو متوقع منه ويشعر بأن أهدافه قابلة للتحقيق، يقل الضغط النفسي وتزداد الفاعلية.
✔ تعزيز ثقافة عمل داعمة وصحية
الاستماع للموظفين، تشجيع الحوار المفتوح، وتقديم دعم حقيقي من الإدارة يقلل من التوتر ويعزز الولاء المؤسسي.
✔ تنظيم أوقات العمل والراحة
تشجيع التوازن بين العمل والحياة الخاصة من خلال تحديد ساعات عمل مرنة، وتوفير فترات راحة منتظمة.
✔ توفير التدريب والدعم المهني
برامج تدريبية لتطوير المهارات وإدارة الوقت والضغوط يمكن أن تكون سلاحًا قويًا في الوقاية من الاحتراق.
✔ التحفيز الإيجابي
التركيز على التقدير والتحفيز بدلًا من النقد المستمر يعزز من معنويات الفريق.
الاحتراق الوظيفي ليس مشكلة فردية فقط
يرى الخبراء أن الاحتراق الوظيفي ظاهرة تؤثر على صحة المجتمع بأكمله، وتؤدي إلى:
ارتفاع معدلات التغيب والتأخر.
انخفاض جودة الإنتاج.
تراجع الابتكار.
زيادة معدلات الاستقالات.
لهذا السبب، فإن الاستثمار في بيئة عمل صحية ليس رفاهية، بل أولوية استراتيجية للمؤسسات الطموحة.
خاتمة
في عالم سريع التغير ومتطلبات العمل فيه تزداد يومًا بعد يوم، يصبح من الضروري أن يتعامل أصحاب العمل مع الاحتراق الوظيفي كأحد التحديات الأساسية في إدارة الموارد البشرية. فالعناية بالعنصر البشري، وتوفير بيئة عمل مرنة وصحية، لا تحمي الموظفين فقط، بل تضمن استدامة الأعمال وازدهارها في المدى الطويل.


