لن أطرق الأبواب التي أُغلِقت في وجه أمي

ليلى سعد القحطاني 🦋✍🏻
عندما حدّثتني تلك الشامخة؛ في منطقة الانتظار، في مستشفى أرامكو الذي بدأت أعتاد عليه، وسط الزحام حيث الوقت مُعلَّق بين رقمٍ يُنادى واسمٍ يُردد ، كانت تجلس بهدوء، بملامح امرأةٍ تحمل أكثر مما تُظهر.
كانت تنتظر والدتها في عيادة العلاج الطبيعي، تراقب الباب وكأنها تخشى أن يتأخر الفتح أكثر مما يحتمل القلب.
تأمّلتُها طويلًا، لا بدافع الفضول، بل لأن شيئًا ما في وجهها كان مألوفًا؛ ذلك الهدوء المُثقل، وتلك النظرة التي تعرف الانتظار جيدًا.
ثم تذكّرت…
كانت إحدى المعلمات القديمات، ممن جمعتني بهن أيام دورات التعليم.
امرأة لم تكن الأعلى صوتًا، لكنها كانت الأوضح حضورًا. نعم، إنها سعاد.
تبادلنا ابتسامة خفيفة، ثم جلست بقربي.
لم تبدأ الحديث فورًا، وكأنها كانت تحتاج إذنًا ، وحين تكلّمت، لم تشكُ، ولم تُسمِّ الأشياء بأسمائها ، كانت تحكي كما لو أنها تُرتّب أفكارها لنفسها لا لي. تذكّرتُ مواقف حدّثتني عنها سابقًا حكتها بنفس الألم الذي بدا جلياً في نبرة صوتها.
قالت إن أمها تعبت كثيرًا في حياتها ، أومأتُ برأسي فقد تذكرت قصصها تلك عن أمها العظيمة ، وأنها لم تُحَط يومًا بالدفء الذي تستحقه.
لم تذكر أسماء، ولم تُعدِّد مواقف، لكنها كانت تعرف أين تتوقف، وكأن بعض التفاصيل لا تُقال احترامًا لمن رحلوا أو لمن بقوا.
تحدّثت عن أمٍّ كانت يتيمة في زمنٍ لا يُجيد احتواء اليتامى، فقيرة في بيئة يُقاس الناس فيها القيمة بما يملكون، لا بما يكونون.
قالت إن أمها كانت تعرف من تجاهلها وأغلق الباب في وجهها، لكنها كانت تختار الصمت؛ لا عجزًا، بل حفاظًا على نفسها.
كانت كريمة رغم القِلّة، متسامحة رغم الإدراك، تغافلت كثيرًا حتى ظنّ البعض أن التغافل علّة في ذاكرتها.
سكتت سعاد قليلًا، ثم قالت جملة واحدة غيّرت نبرة الحديث: أحب من يحب أمي ، و أصل من وصل أمي .
لم تقلها بغضب، بل قالتها كما تُقال القناعات بعد طول اختبار.
احترمتها أكثر حين صرّحت بأنها لا تحمل في قلبها خصومة، لكنها لا تشعر بحاجة إلى الوصل حيث لم يكن هناك عدل.
هي لا تُخاصم ولا تُقاطع، لكنها تبتعد.
قالت إن أمها علّمتها درسًا من غير وصية: أن الكرامة لا تُطالَب، بل تُصان بالترك والبعد ، وأن الصبر الذي يُقدَّم على حساب النفس ليس فضيلة دائمًا، بل أحيانًا عبء يُورَّث. وهذا ما تحاول هي أن تفعله بدلًا عن والدتها.
وعندما نُودي اسم والدتها، نهضت بهدوء.
لم تُنهِ حديثها، لكنها أكملت حديث السنين في تلك النظرة التي ودّعتني بها.
ذهبت لتُرافق والدتها، وغادرت وهي تدفع الكرسي المتحرك باتجاه باب الخروج، الذي انفتح على مصراعيه دون أن يطلب أحد ذلك.
بقيتُ في مكاني أفكّر:
كم من الأبواب نطرقها فقط لأننا اعتدنا الطرق؟
وكم من المسافات نحسبها قسوة، وهي في الحقيقة نجاة؟
ليس كل ابتعاد قطيعة، وليس كل صمت ضعفًا.
أحيانًا يكون عدم الطرق هو أعلى أشكال الوفاء… وفاء لذاكرةٍ تعبت، وقلب انكسر ، ولكرامةٍ لا تزال تستحق الاحترام.
بعض الأبواب لا ينبغي أن نعود إليها.


