مقالات و رأي

تفاصيل انتصار الجيش السعودي في معركة الخيف سنة 1226هـ (دراسة في الروايات التاريخية والقراءة الميدانية)

عدنان عيسى العمري
باحث تاريخي _ باحث في التراث

قمتُ بزيارة ميدانية لموقع قرية الخيف والوقوف على ميدان المعركة، ومقارنة معطيات المكان بما ورد في المصادر التاريخية المتنوعة. وبعد جمع الروايات وتحليلها، أمكن إعادة تركيب مشهد المعركة في صورة متكاملة تجمع بين الوصف النصّي والواقع الجغرافي، لنخرج برواية تاريخية محكمة لذلك الانتصار الذي سجّلته الدولة السعودية الأولى على جيش نظامي منظم ومدرّب.
أولًا: الوضع العام قبل المعركة
1- الجيش السعودي
بلغ تعداد الجيش السعودي نحو (18,000) مقاتل من النجديين والحجازيين والتهاميين. اعتمد تسليحه على المشاة والفرسان المسلحين ببنادق «أم فتيل» قصيرة المدى، إضافة إلى السيوف والرماح والمسدسات والخناجر.
تولى القيادة العامة الأمير عبد الله بن سعود، يعاونه نخبة من القادة، منهم: فيصل بن سعود، عثمان المضايفي، مسعود بن مضيان، هادي بن قرملة، وطامي بن شعيب، حباب بن قحيصان وغيرهم من الأبطال
اتبع الجيش السعودي أسلوبًا دفاعيًا قائمًا على:
حفر خندق في مضيق الخيف لتعطيل تقدم الفرسان.
إقامة متاريس على المرتفعات المشرفة على ساحة القتال.
وضع قوة احتياط بقيادة ابن مضيان قرب القرية للتدخل في اللحظة الحاسمة.
2- الجيش الغازي (جيش طوسون)
قُدّر عدد الجيش بين (8–14) ألف مقاتل، ضمّ مشاة نظاميين ومدفعية يتراوح عددها بين (7–14) مدفعًا، وفرسانًا، إضافة إلى مرتزقة أوروبيين وبعض البدو تحت قيادة شيخ الحويطات.
قاد الحملة أحمد طوسون مدعومًا بقادة مثل صالح آغا والخزندار أحمد آغا.
امتاز جيشه بامتلاكه مدفعية حديثة، ومخازن ذخيرة كبيرة، وتدريب عسكري ذي طابع أوروبي، مما منحه تفوقًا تقنيًا ظاهرًا مقارنة بتسليح الجيش السعودي.

ثانيًا: الخطة العسكرية
الخطة السعودية:
قامت على استدراج الجيش العثماني إلى مضيق الخيف الضيق، حيث يسهل تطويقه وإطلاق النار عليه من المرتفعات، مع تعطيل تقدمه بالخندق الأمامي. تمركزت القوات على الجبال والخندق، مع إبقاء قوة احتياط جاهزة للتدخل في توقيت محسوب.
الخطة العثمانية المصرية:
اعتمدت على التقدم المباشر نحو مواقع السعوديين، واستخدام المدفعية لإحداث ثغرات في خطوط الدفاع، ثم تنفيذ هجوم شامل لاختراق الخندق والسيطرة على المرتفعات الحاكمة للميدان.
ثالثًا: مجريات المعركة
المرحلة الأولى: الاستطلاع والاحتكاك الأولي
تحرك جيش طوسون من ينبع باتجاه الصفراء ثم الخيف، دون إدراك كامل لحجم الحشد السعودي.
وقعت مناوشات مع طلائع الجيش السعودي التي انسحبت تكتيكيًا لاستدراج الغزاة إلى داخل المضيق. وعند وصول الجيش العثماني إلى المتاريس الأولى، دارت مواجهات سريعة أوقعت قتلى في صفوف السعوديين (نحو 32 قتيلًا بحسب بعض الروايات).
المرحلة الثانية: اقتحام الجبال والخندق
تمكن جيش طوسون من التقدم تدريجيًا والاستيلاء على بعض المتاريس، وصعدوا إلى أجزاء من المرتفعات. إلا أنهم واجهوا مقاومة عنيفة من قوات المضايفي المتمركزة في مواقع محصنة، حيث تعرضوا لنيران كثيفة أوقعت فيهم خسائر كبيرة.
عجزت خيولهم عن اجتياز الخندق، فتقيّد دور الفرسان، مما أضعف قدرة الجيش على المناورة. وتشير بعض الروايات إلى اختراق جزئي لمواقع سعودية في الجبل، أدى إلى خسائر مؤلمة واضطراب مؤقت في الصفوف.
المرحلة الثالثة: الكرّ والفرّ واستنزاف القوى
استمر القتال قرابة ثلاثة أيام في ظل حرارة شديدة، ومعاناة العثمانيين من نقص الماء والإمدادات. تكررت عمليات الكرّ والفرّ، ومالت الكفة أحيانًا لصالح العثمانيين في بعض المرتفعات، غير أن ضيق الأرض وصلابة الدفاع السعودي أجهضا محاولات الحسم. صمدت القوات الرئيسة بقيادة عبد الله بن سعود في مواقعها، محافظة على تماسك الخط الدفاعي.
المرحلة الرابعة: التدخل الحاسم للقوة الاحتياطية
في اليوم الثاني أو الثالث، أصدر القائد العام الإمام عبد الله بن سعود إشارة إلى مسعود بن مضيان واحتياطه (نحو ألف مقاتل) للهجوم المباغت من جهة القرية ومن أعلى المرتفعات.
تزامن هذا الهجوم مع اندفاع عام للقوات السعودية، فتداخلت الصفوف وارتبك الجيش العثماني، خاصة بعد فقدان الخيول وتفاقم العطش ونقص الذخيرة. عندئذٍ انهارت صفوف طوسون، وبدأ الانسحاب الكبير، تاركين خلفهم المدافع والذخائر والمعسكر والمؤن.
المرحلة الخامسة: الانسحاب والفوضى
انسحب طوسون ومن بقي معه في حالة من الفوضى نحو البريكة، حيث كان الأسطول بانتظارهم. تصف بعض الروايات حالة اضطراب شديد بين الجنود المنهزمين، حتى إن بعضهم تزاحم على القوارب وغرق آخرون في البحر.
اكتفى السعوديون بمطاردة محدودة دون التوغل نحو الساحل، ربما تحسبًا لكمائن محتملة أو رغبة في تثبيت النصر ميدانيًا.
رابعًا: نتائج المعركة
تكبّد الجيش العثماني خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد، وفقد معظم خيوله ومدافعه، وعاد إلى ينبع في حالة معنوية متدهورة.
حقق الجيش السعودي نصرًا كبيرًا عزّز مكانة الدولة السعودية الأولى، وأثبت قدرتها على مواجهة جيش نظامي حديث في معركة مفتوحة نسبيًا.
أبرزت المعركة أهمية اختيار أرض القتال، والتحصينات المسبقة، واستثمار التضاريس في ترجيح كفة القوة الأقل تسليحًا.
كشفت المعركة عن قصور في منظومة الإمداد والتموين لدى الجيش العثماني، خصوصًا عند القتال في بيئة صحراوية بعيدة عن قواعده البحرية.
خاتمة :
تكشف معركة الخيف سنة 1226هـ عن نموذج واضح لحرب تعتمد على استثمار الجغرافيا والانضباط الدفاعي في مواجهة التفوق التقني. فقد استطاع الجيش السعودي، عبر التخطيط المحكم والتوقيت الدقيق لتدخل الاحتياط، أن يحوّل التضاريس إلى عنصر حاسم في المعركة، ويحوّل اندفاع خصمه إلى نقطة ضعف قاتلة.
وبذلك غدت المعركة شاهدًا على أن ميزان القوة في الحروب لا يُقاس بالعدة وحدها، بل بحسن القيادة، وتماسك الصف، وفهم الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى