مقالات و رأي

حين كان الزرب سورا… لا حاجزا .

جازان – ✍️ سميرة عبدالله
xz92800@gmail.com

كان للحياة طعم مختلف كان السور يسمى الزرب ويصنع من القش وسعف النخيل وأغصان الشجر لم يكن الزرب جدارا يغلق المسافات بل كان علامة حدود تحفظ المكان وتترك القلوب على اتساعها.

خفيفا في مادته عميقا في معناه يسمح للهواء أن يعبر .
وللأصوات أن تتلاقى وللأرواح أن تبقى متجاورة بلا كلفة.

في تلك الأيام لم تكن البيوت متباعدة ولا العلاقات مؤجلة كان الجار يرى جاره من خلف الزرب فيطمئن قبل أن يسأل ويسأل قبل أن يطلب منه السؤال.

تتعالى ضحكات النساء وهن يتبادلن أطراف الحديث ويجتمع الرجال في المزاقر كما كانت العادة قديما في تلك الزوايا البسيطة التي لم تكن مجرد أماكن للجلوس بل كانت مساحة للدفء الإنساني وتبادل الأخبار وصناعة الألفة على القهوة في مساءات هادئة يسكبون الفناجين كما يسكبون الود وكان المشبك يمد من تحت السور في مشهد بسيط لكنه عميق الدلالة مشاركة بلا حساب وعطاء بلا تكلف.

لم تكن الحياة خالية من التعب لكنها كانت أخف على القلب.

البساطة كانت قانونها غير المكتوب أبواب تفتح بلا موعد وأيد تمتد بالعون قبل أن يصرح بالحاجة.

التماسك الأسري كان واضحا في تفاصيل اليوم اجتماع حول مائدة واحدة سؤال عن الغائب وحرص على أن لا يبيت أحد وفي صدره شيء.

كانت الروابط أقوى من أن تضعفها مسافات لأن المسافات نفسها لم تكن موجودة إلا بقدر ما يحفظ الخصوصية لا بقدر ما يصنع القطيعة.

الزرب لم يكن مجرد قش مرصوص بل رمزا لزمن يعرف أن الستر لا يعني العزلة و الخصوصية لا تعني الانفصال .

كان يسمح للنسيم أن يمر وللكلمة الطيبة أن تعبر وللقلوب أن تبقى قريبة ..
لم تكن هناك جدران شاهقة تحجب الرؤية ولا صمت ثقيل يبتلع الألفة.
كان كل شيء مكشوفا على قدر من الطمأنينة والناس تعرف بعضهم بعضا ويألفون الوجوه كما يألفون طرق بيوتهم.

اليوم تغيرت الأسوار وارتفعت وتغيرت معها إيقاعات الحياة.
لكن يبقى في الذاكرة ذلك المشهد الدافئ بيتان يفصل بينهما زرب من قش وصوت قهوة تصب وحديث عابر يصنع يوما كاملا من السعادة. تبقى صورة الجار للجار والبيت للبيت والأسرة للأسرة صورة تذكرنا أن الجمال لا يقاس بفخامة البناء بل بصدق العلاقة.

كانت حياة بسيطة… نعم بسيطة و لكنها كانت جميلة ببساطتها عامرة بروح الحب والتماسك والألفة.

وكان الزرب رغم هشاشته أقوى من كثير من الجدران ، لأنه لم يبن ليبعد الناس… بل ليبقيهم قريبين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى