الأمن … حين يسكن القلوب

✍🏻 : إسماعيل محمد الفقيه
ليس الأمن أن تُغلَق الأبواب بإحكام ، ولا أن تمتلئ الشوارع بالحراسة ، ولا أن تُرفع الشعارات في المناسبات ؛ الأمن الحقيقي هو ذلك الإحساس الخفي الذي يسكن القلب ، فيجعله مطمئنًا وهو يمضي في دروبه اليومية ، لا يلتفت خلفه قلقًا ، ولا يتلفّت خوفًا .
هو سكينةٌ تشبه دعاء الأم حين تودّع أبناءها ، ويقينُ الأب وهو يغرس فيهم الثقة بالمستقبل .
الأمن الذي يشبه الطمأنينة لا يُرى ، لكنه يُحَسّ في تفاصيل الحياة الصغيرة ؛ في طفلٍ يذهب إلى مدرسته آمنًا ، لا يخشى طريقًا ، ولا يقلق والداه من عودته ، في أسرةٍ تنام وقلوبها ساكنة ، في مسافرٍ يعبر الطرقات مطمئنًا أن وراءه – بعد الله – نظامًا يحميه ، وعدلًا يصونه ، وقيادةً حكيمة تسهر على راحته .
إنه نعمةٌ عظيمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها ، ولا يشكرها حق الشكر إلا من وعى أنها فضلٌ من الله أولًا ، ثم ثمرةُ منهجٍ قويم يقوم على شرع الله وعدله .
نحن في وطننا الغالي المملكة العربية السعودية – حفظها الله – ننعم بحمد الله بأمنٍ راسخ ، ليس وليد صدفة ، ولا ثمرة ظرفٍ عابر ، بل هو امتدادٌ لجذورٍ ضاربة في تاريخ هذه البلاد ، قامت على التوحيد ، واستمدّت نظامها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وجعلت العدل والمساواة أساسًا تُبنى عليه مؤسساتها ، وتُدار به شؤونها . فحين يكون الشرع مرجعًا ، والعدل ميزانًا ، تتقارب القلوب ، ويأمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم .
ذلك الأمن الذي نعيشه ليس مجرد استقرارٍ سياسي أو رخاءٍ اقتصادي ، بل هو مناخٌ عام يثمر علمًا ، وينبت طموحًا ، ويصنع إنسانًا واثقًا بخطواته . فحيث يسود العدل ، تزدهر الفرص ، وحيث تُحفظ الحقوق ، يكبر الانتماء ، وحيث تتساوى الوجوه أمام النظام ، تنمو الثقة بين الحاكم والمحكوم ، ويصبح الوطن بيتًا كبيرًا يتفيأ الجميع ظلاله .
وفضل ما نحن فيه يعود – بعد توفيق الله – إلى قيادةٍ جعلت خدمة الدين ثم الوطن والإنسان أولويتها ، فسعت إلى ترسيخ الأمن ، وتعزيز الاستقرار ، وتحقيق التنمية ، مع التمسك بثوابت الشريعة وقيم المجتمع .
فكان الأمن سياجًا يحفظ المكتسبات ، وكانت العدالة جسرًا تعبر عليه طموحات المواطنين .
وحين نتأمل حولنا في عالمٍ تضطرب فيه الأحوال ، ندرك عِظم النعمة التي بين أيدينا ؛ فنحمد الله عليها سرًّا وجهرًا ، ونسأله أن يديمها ، وأن يجعل هذا الوطن دائمًا دار أمنٍ وإيمان ، وسلامٍ وإحسان .
فالأمن الذي يشبه الطمأنينة ليس مجرد حالةٍ نعيشها ، بل أمانةٌ نحافظ عليها ، ومسؤوليةٌ نتشارك في صونها ؛ فكلُّ واحدٍ منا حارسٌ لهذا الأمن بسلوكه قبل موقعه ، وبأخلاقه قبل كلماته ، وبحرصه على وحدة الصف كما يحرص على راحة بيته .
وشكرُ النعمة لا يكون بالقول وحده ، بل بالعمل الصالح ، وحسن المواطنة ، والالتفاف حول قيادتنا ، والحرص على كل ما يجمع ولا يفرّق .
حفظ الله بلادنا وقيادتنا ، وكل من يعيش على هذا الثرى الطاهر من مواطنين ومقيمين وزوار وحجاج ومعتمرين من كل سوء ومكروه ، وأدام عليها أمنها ورخاءها ، وجعلها واحةَ طمأنينةٍ لكل من يعيش على أرضها ، إنه وليّ ذلك والقادر عليه .



