17 رمضان.. يوم الفرقان

الدكتور/ محمد أديب محمود عبدالسلام
بروفيسور في الإعلام الحديث
بسم الله الرحمن الرحيم
اليوم 17 رمضان ولا يجب أن يكون حديث إلا عن يوم الفرقان يوم نزول القرآن يوم النصر يوم بدر أقول بعد الاتكال على الله وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ، ويقول الحبيب صلى الله عليه وسلم لعل الله اطلع على أهل بدر فقال فعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم .
ماذا بعد هذا؟ ماذا بعد هذه البشارة؟ ، وهذا النصر والتمكين؟ ماذا بعد هذا الإجلال والإقدار والإحترام الذي حظى به هؤلاء الأماثل الأكارم الأفاضل سادتنا أهل بدر؟ أكرمها الله أربعة عشر منهم بالشهادة هم أحياء يرزقون فرحين بما آتاهم الله والباقي كانوا مشاعر نور وسفراء خير جابوا الأمصار وفتحوا الفتوحات وكانوا مثالاً يحتذى به في القول والعمل ناهيك عن الشجاعة والإقدام والفداء.
لعل في عجالة سريعة استعرض الغزوة : أتى الخبر إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم أن عيراً لقريش بقيادة صخر بن حرب أبا سفيان قادمة من الشام فخرج يريد العير لا يريد القتال ولم يعلن النفير خرج ليعترض العير ويعوض بعدما سلب من المهاجرين من أموالهم ومتاعهم ودورهم في مكة.
عندما هاجوا فرادى ووحداناً لم يأخذوا معهم شيئا ووصل الخبر إلى أبا سفيان ، ومن هو أبا سفيان رضي الله عنه وأرضاه رجل الدهاء والمكر فاجتاز بالعير ونجت العير ووصل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى بدر وجاءت قريش بعد أن وصل إليها الخبر بقدها وقديدها وجنودها ، لم يكن هناك أي تكاثر المسلمون ثلثمائة وثلاثة عشر ومعهم فرسان فقط أما قريش ألف فارس ومعهم مائتي فرس وسبعمائة جمل ، وقدهم وقديدهم ومواليهم ، وقاد النفير عتبة بن ربيعة فلما وصل وعلم أن العير قد نجت قال أعصبوها برأسي وقولوا جبن عتبة وتعلمون أن لست أجبنكم ونعود إلى مكة فكابر رأس الكفر أبو جهل عمرو بن هشام وقال لا والله حتى نرد ماء بدر وننحر الجزر ونشرب الخمر وتسمع بنا العرب وتدق علينا القيان بالدفوف فتهابنا العرب مهابة ليس بعدها ويعلمون من نحن وأراد الله أن يكون اللقاء في أرض البدر في يوم الفرقان .
وصل الرسول صلى الله عليه وسلم قبل قريش هو في العدوة العليا وهو في العدوة الدنيا والركب أسفل منهم كما قال الحق عز وجل ، واختار موقعا وهنا تبرز أهمية الرأي والمشورة فقام سيدنا الحباب بن المنذر قال يا رسول الله أهذا منزل أنزلك الله إياه أم هو الرأي والمشورة والمكيدة ، قال لا بل الرأي والمشورة ،بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم قال لا نبني لك عريشا في المرتفع ونغور الآبار فنشرب ولا يشربون وتكون أنت في الحماء وبإذن الله نحن طوع أمرك.
وقال صلى الله عليه وسلم أشير علي أيها الناس فقام المقداد بن عمر فارس من فرسان قريش وقال كلمته المشهورة والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب فأنت وربك فقاتل إنها هنا قاعدون بل نقول لك اذهب أنت وربك فقاتل إنها معك مقاتلون .
وأعاد أشيروا علي أيها الناس وقام صديق الأنصار سعد بن معاد سيدهم وقال كأنك تريدنا يا رسول الله فأشار نعم فقال إننا صبر عند اللقاء وسترى منا ما يسر نقول لك والله لو خضت هذا البحر لخضناه معك ولو خضت النار لخضناها ما تخلف بنا رجل واحد فاستبشر رسول الله وشردوا في إعداد موقع المعركة وقال ابشروا بالنصر وارتقى صلى الله عليه وسلم إلى عريشه وهطل المطر وغشى النعاس الطائفة المؤمنة بشرى لهم وساخت الأرض سبخة تحت أقدام المشركين ونزل إليها الماء ودخل صلى الله عليه وسلم عريشه ومعه حبيبه وصديقه أبو بكر وأخذ يدعو ويرفع ويناجي ربه ويقول اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد أبدا وابتهل وتضرع وفتح الله عليه الفتوح بما شاء من الدعاء وتبتل وتوسل وطلبه الله عز وجل وقال أبو بكر والله لن يخزيك الله يا رسول الله ، والله لن يخزيك الله ورفع يديه يدعو وحتى بدت بياضة إبطيه .
وثم قال أبشروا بالنصر وبدأت المعركة وفصولها معروفة : طلب عتبة المبارزة فخرج ثلاثة من الأنصار فقال أخرجوا لنا أبناء عمومتنا فخرج أسد الله حمزة بن عبد المطلب وخرج الإمام علي وخرج عتيبة بن الحارس ابن عبد المطلب رضي الله عنهم وكلهم من بني هاشم أبناء عمومة عتبة بن ربيع وشيبة وولده الوليد ودار القتال وقتل الثلاثة واستشهد عتيبة فيما بعد من جراء إصابة أصابته ودفن في الروحاء في منطقة الحمراء ، ودار روحى المعركة وكانت الملائكة خير معين لهؤلاء الأفداذ الأبطال والحمد لله أقر الله عين المؤمنين ونصرهم نصرا عظيما ومدهم بالملائكة وقتلت رؤوس الكفر وصناديده سقط أباجح الفرعون الأمة عمر بن هشام وسقط أمية بن خلف وسقط الكثير منهم وشفى صدور قوم مؤمنين وغنموا واغتنموا والحمد لله في الآخرة والأولى .
إن ذكرى بدر تبقى خالدة تالدة تمر بها الأمة ونحن أحوج ما نكون في هذه الأيام وفي هذه الظروف التي تمر بها بلادنا وقد ابتليت بالشر والحرب ولكن نحن نحمد الله على ذلك ونثق في ولاة أمورنا وحسن تدبيرهم ولا نملك إلا الدعاء بأن يكلل الله جهودهم بالنجاح والفلاح ويمن علينا وعليهم بالأمن والإيمان في الأوطان وأن ينصر الله هذه البلاد وقادتها نصراً مؤزراً عزيزاً على كل من أراد بها سوءاً وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وإن أردتها إلا ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين



