مقالات و رأي

بين وقار الشهادات وصخب النجومية

بقلم: شاكر محجوب
http://‎@shaker_mahjoub

بين أروقة الجامعات المزدحمة بكتب العلم وشهادات التخصص، وبين بريق الملاعب ومنصات التواصل الاجتماعي التي تصنع النجوم في ليلة وضحاها، يعيش إنسان العصر صراعاً وجودياً يتجاوز مجرد اختيار المهنة إلى تحديد الهوية والقيمة. إنها المفارقة التي وضعت العقل و الموهبة في كفتي ميزان مختلفتين، حيث تميل إحداهما بالثقل المعرفي والمكانة الاجتماعية الرصينة، بينما تميل الأخرى بالثروة الخاطفة والظهور الجماهيري الطاغي.

في الماضي، كان المسار الأكاديمي هو البوابة الوحيدة والآمنة للارتقاء الطبقي؛ فالشهادة العليا لم تكن مجرد ورقة، بل صك اعتراف بالقدرة على قيادة المجتمع وتطويره. هؤلاء الذين أفنوا زهرة شبابهم في البحث والتخصص قدموا للمجتمع أعظم الخدمات في الطب والهندسة والسياسة، لكنهم اليوم يواجهون واقعاً اقتصادياً يمنحهم الاحترام و يحفظ كرامتهم، لكنه يضيق عليهم في الرزق. هذا العائد المالي المتدني قياساً بالجهد المبذول خلق نوعاً من الإحباط الصامت، وجعل المسار التقليدي يبدو للبعض وكأنه تضحية شخصية كبرى في سبيل نفع عام لا يقدر بثمن مادي كافٍ.

على الضفة الأخرى، نجد حلم النجومية في الكرة والفن أو حتى في فضاء السوشيال ميديا، حيث تحولت الجاذبية إلى عملة صعبة تتفوق في قيمتها السوقية على الخبرة. إن سرعة الصعود المادي والاجتماعي في هذه المجالات تبرق كسراب يغري الأجيال الجديدة، فمن خلال شاشة صغيرة أو لمسة فنية، يمكن للفرد أن يحقق في شهر واحد ما قد يعجز عنه الطبيب الجراح في عقود. هذا النمط من النجاح لم يغير الحسابات البنكية فحسب، بل أعاد تعريف الظهور الاجتماعي، فأصبح المشهور هو المرجع، وأصبح عدد المتابعين هو المقياس الجديد للقوة والتأثير، بغض النظر عن العمق المعرفي الذي يحمله.

ومع ذلك، يظل هذا الصراع يحمل في طياته خللاً في التوازن؛ فالمجتمع الذي يقدس الشهرة على حساب العلم هو مجتمع يبني واجهته بالذهب وقواعده بالرمال. إن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن بريق النجومية غالباً ما يكون مؤقتاً ومرهوناً بتقلبات الذوق العام، بينما يبقى العلم هو الحصن الذي لا يسقط بمرور الزمن. إن الحل لا يكمن في المفاضلة المطلقة بينهما، بل في محاولة جسر الهوة، كأن يستخدم صاحب العلم أدوات العصر لنشر رسالته وتحسين دخله، أو أن يدرك الموهوب أن الموهبة بلا وعي ثقافي هي مجرد ومضة عابرة في سماء النسيان.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى