العَمَشُ ولا العَمَى ..

✍🏻 : إسماعيل بن محمد الفقيه ..
ليست كل الخسارات سواء ، ولا كل النواقص تُوجِع بالقدر ذاته ؛ فبعض الفقد يُبقي لك نافذةً صغيرة تُطل منها على الحياة ، وبعضه يُغلق الأبواب كلها دفعةً واحدة .
ومن هنا جاءت الحكمة الشعبية القديمة : “العَمَشُ ولا العَمَى” ؛ أي أن النقص المحتمل أهون من الفقد الكامل ، وأن بقاء شيءٍ من النور خيرٌ من انطفائه كله .
فالإنسان في هذه الحياة لا يعيش الكمال إلا في خياله ، أما الواقع فممتلئ بالنقص والتعثر والحرمان .
قد لا تأتي الأمور كما نريد ، وقد تتبدد بعض الأحلام قبل اكتمالها ، لكن الحكمة ليست في البكاء على ما لم يكتمل ، بل في الامتنان لما بقي .
فمن فقد نصف صحته ، ما زال يملك نصفًا آخر يعينه على الوقوف ، ومن ضاقت به الدنيا ، ما زال يجد بابًا صغيرًا للفرج ، ومن خذلته الأيام ، قد تَبقى له قلوب صادقة تُربّت على تعبه وتقول له : ما زالت الحياة تستحق أن تُعاش .
وكثير من الناس يرهقهم النظر إلى ما ينقصهم حتى ينسوا ما بين أيديهم من نعم .
يشتكون من ضيق الطريق وهم يملكون القدرة على السير ، ويحزنون لفوات فرصة وينسون أن الله أبقى لهم فرصًا أخرى .
والحقيقة أن الإنسان حين يفقد القدرة على رؤية ما بقي لديه ، يصبح كمن أطفأ النور بيده ثم جلس يشكو الظلام .
ولعلّ أجمل ما تمنحه التجارب للإنسان أنها تُعلّمه الفرق بين الحرمان الحقيقي ، وبين التذمر الذي تصنعه النفس حين تعتاد النظر إلى النقص فقط .
فكم من إنسان عاش عمره حزينًا لأنه لم يملك كل شيء ، بينما كان يملك ما يكفيه ليكون مطمئنًا لو أنه أحسن النظر .
فالرضا ليس أن تكون الحياة كاملة ، بل أن ترى الخير المختبئ بين شقوق التعب ، وأن تؤمن أن الله حين يأخذ شيئًا ، قد يُبقي لك أشياء أخرى لا تقلّ قيمة ورحمة .
إن معنى “العَمَشُ ولا العَمَى” ليس دعوةً للرضا بالضعف أو الاستسلام للنقص ، بل هو دعوة للحكمة والواقعية ؛ أن تدرك أن الحياة لا تمنح أحدًا كل شيء ، وأن النجاة الجزئية أحيانًا تُعدّ نعمة عظيمة .
فالذي يتقبل القليل برضا ، يعيش مطمئنًا ، أما من يطلب الكمال في كل شيء ، فإنه يتعب طويلًا ؛ لأن الدنيا خُلقت ناقصة ، ولأن الكمال الحقيقي ليس هنا .
وفي العلاقات أيضًا يظهر معنى هذا المثل ؛ فبعض الناس يهدمون الودّ كله بسبب خطأ صغير ، ويكسرون جسور المحبة لأن الأمور لم تأتِ كما يشتهون .
بينما العاقل هو من يحافظ على ما بقي من الخير ، ويعذر التقصير البشري ، ويدرك أن صفاء العلاقات ليس في خلوّها من العيوب ، بل في القدرة على تجاوزها .
فليس كل خلاف نهاية ، ولا كل فتور يعني انطفاء المحبة ؛ أحيانًا يكفي قليل من التنازل وكثير من الحكمة حتى يبقى الود قائمًا ، ولو على هيئة ضوء خافت يحفظ دفء القلوب .
وهكذا تمضي الحياة تعلمنا أن النور القليل خيرٌ من العتمة الكاملة ، وأن بقاء الأمل – ولو ضئيلاً – أجمل من اليأس التام ، وأن الإنسان الحكيم ليس من امتلك كل شيء ، بل من عرف قيمة ما بقي له قبل أن يفقده .
فليس المهم أن تملك الضوء كاملًا …
بل أن تعرف كيف تهتدي بما بقي منه ..



