مقالات و رأي

بين الانضباط الاستراتيجي والتصرفات الصادمة: دراسة في أنماط القيادة الحديثة.

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
درست كثيراً، واطلعت على نطاق واسع في أدبيات التخطيط الاستراتيجي والقيادة الاستراتيجية، فوجدت أن معظمها يقوم على نماذج عقلانية واضحة، تتوزع بين المدى البعيد والمتوسط والقصير، وتُبنى على افتراضات الاستقرار النسبي وإمكانية التنبؤ بالسلوك السياسي. غير أن الواقع العملي، كما تعكسه لغة الخطاب السياسي في وسائل الإعلام، يكشف عن أنماط من التفاعل لا تنسجم ظاهرياً مع تلك المعايير المنهجية، بل تبدو أحياناً خارجة عنها أو مناقضة لها.

هذا التباين الظاهري يثير إشكالية تحليلية جوهرية وتساؤلاً وهو هل تمثل هذه الأنماط خروجاً فعلياً عن مقتضيات التخطيط الاستراتيجي، أم أنها تعبير عن مستوى أكثر تعقيداً من الممارسة الاستراتيجية، تُستخدم فيه أدوات غير تقليدية لتحقيق أهداف محسوبة؟

في هذا السياق، يمكن النظر إلى بعض أنماط السلوك السياسي بوصفها توظيفاً مقصوداً لعنصر “اللايقين” في إدارة التفاعلات الدولية. إذ يعمد بعض القادة إلى تبني خطاب يتسم بحدة أو تقلب أو غموض، بما يخلق لدى الخصوم حالة من عدم القدرة على التنبؤ، ومن ثم يدفعهم إلى إعادة حساباتهم الاستراتيجية تحت ضغط المخاطر المحتملة.

وقد برز هذا النمط في تجارب تاريخية ومعاصرة، من بينها ما ارتبط بسياسات رئيس أمريكي سابق خلال حرب تأريخية ماضية ، حيث سعى إلى ترسيخ انطباع لدى خصومه بإمكانية اتخاذ قرارات حادة وصادمة وقصوى في حال تعثر المسارات التفاوضية. ولم يكن ذلك تعبيراً عن غياب التخطيط، بقدر ما كان محاولة لإدارة الإدراك لدى الطرف الآخر ضمن إطار استراتيجي أوسع.

بينما في السياق المعاصر، يتبنى بعض الرؤساء أنماطاً من السلوك السياسي تتسم بالحدّة والتصعيد اللفظي والتقلب في الخطاب الموجّه، بالتوازي مع الانخراط في مسارات تفاوضية مباشرة؛ وهو ما يمثل انحرافاً ظاهرياً عن الأعراف التقليدية للسلوك السياسي، إلا أنه يُوظف كأداة استراتيجية لإعادة تشكيل محددات التفاوض وإعادة تعريف نطاق الخيارات المتاحة أمام الأطراف المختلفة بما يخدم تحقيق غايات بعينها. غير أن التمييز بين السلوك الاستراتيجي المحسوب والسلوك الاندفاعي يظل إشكالية تحليلية معقدة، إذ يستلزم ذلك فهم الظروف المحيطة وطبيعة إدراك الأطراف المختلفة للموقف المحيطة بالفعل السياسي، وتقدير مدى اتساق هذا النمط السلوكي مع إطار تخطيطي عقلاني منضبط، مقابل احتمالية كونه انعكاساً لعوامل شخصية أو ظرفية قد تفضي إلى مخرجات غير قابلة للضبط أو التنبؤ..

من منظور تحليلي إستراتيجي ، يمكن تفسير هذه الممارسات ضمن إطار ما يُعرف باستراتيجيات “الصدمة” أو “إدارة الغموض”، حيث يتم توظيف السلوك غير المتوقع كوسيلة لإرباك الخصم، وكسر أنماط التفكير التقليدية، وإعادة تشكيل بيئة القرار.. وفي هذا الإطار لا يُنظر إلى التصرفات الصادمة باعتبارها نقيضاً للعقلانية بل بوصفها نهج يعتمد على توظيف الوسائل بشكل محسوب لتحقيق أهداف محددة والتي تستخدم وسائل غير تقليدية لتحقيق غايات محددة.

غير أن التمييز بين السلوك الاستراتيجي المحسوب والسلوك الاندفاعي يظل مسألة معقدة. ففي حين قد يكون بعض القادة واعين تماماً بتوظيف هذه الأساليب ضمن إطار تخطيطي منضبط، قد تعكس حالات أخرى تداخلاً بين السمات الشخصية ومتطلبات الموقف السياسي، بما يجعل النتائج أقل قابلية للتنبؤ وأكثر عرضة للمخاطر.

وتتجلى إحدى الإشكاليات الرئيسة في هذا النمط القيادي في مسألة المصداقية إذ إن الإفراط في استخدام الخطاب الصادم أو التهديدي قد يؤدي إلى تآكل الثقة، سواء لدى الخصوم أو الشركاء والحلفاء، كما قد يفضي إلى سوء تقدير متبادل يفتح المجال أمام تصعيد غير محسوب. ومن ثم، فإن فاعلية هذا الأسلوب تظل مرهونة بقدرة القائد على تحقيق توازن دقيق بين إظهار عدم القدرة على التنبؤ، والحفاظ في الوقت ذاته على قدر كافٍ من التوافق والإتزان الاستراتيجي.

في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن ما يبدو خروجاً عن قواعد التخطيط الاستراتيجي التقليدي قد يمثل، في بعض الحالات، امتداداً لها عبر أدوات أكثر تعقيداً ومرونة، تُعنى بإدارة الإدراك بقدر عنايتها بإدارة الموارد. ومع ذلك، فإن نجاح هذا النهج يظل مشروطاً بحدود دقيقة إذ يتطلب قدرة عالية على الضبط والتحكم، بما يضمن التعامل مع عدم اليقين بشكل منظم لا أن يتحول إلى عامل منفلت يقوّض الاستراتيجية ذاتها.

وعليه، فإن أنماط القيادة الحديثة لا يمكن فهمها على نحو كاف من خلال النماذج العقلانية المطلقة، بل تستدعي مقاربات تحليلية تأخذ في الاعتبار توظيف الغموض، وإدارة الانطباع واستخدام الصدمة كأدوات ضمن أدوات التنفيذالاستراتيجي.

وفي الختام، ورغم ما يحيط بهذا النمط القيادي من تعقيدات ومخاطر، إلا أن هناك قادة يمتلكون قدرًاً عاليًاً من الكفاءة والكاريزما الاستراتيجية، تمكّنهم من تحقيق توازن دقيق بين التوافق والتوازن الاستراتيجي من جهة، وتوظيف أدوات اللايقين والصدمة من جهة أخرى. وتبرز قيمة هؤلاء القادة في قدرتهم على تحويل الغموض من مصدر تهديد إلى أداة تأثير، بما يسهم في تعزيز فاعلية القرار الاستراتيجي وبناء نماذج قيادية أكثر مرونة واستدامة في بيئة دولية شديدة التعقيد..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى