وداد خليفة .. حين يصبح العطاء تاريخا، والقيادة أثرا لا يزول

بقلم / د. منى يوسف حمدان الغامدي
في حضرة الوفاء.. تُروى الحكايات التي لا يطويها الزمن، ويُستعاد أثر النساء اللواتي لم يكنّ عابرات في مسيرة التعليم، بل كنّ جذوراً راسخة في أرضه. وفي المدينة المنورة، حيث يلتقي التاريخ مع الرسالة، تبرز سيرة رائدة من رائدات تعليم البنات، الأستاذة وداد خليفة، بوصفها نموذجاً مضيئاً للقيادة النسائية الواعية في مرحلة كانت تحتاج إلى شجاعة القرار وإيمان الرسالة.
وتعد أ. وداد علم من أعلام النساء في المدينة المنورة على ساكنها أزكى الصلاة وأتم التسليم، ومن رائدات التعليم والعمل الاجتماعي في المدينة صنعت فجر تعليم البنات وأرست ثقافة الوفاء المؤسسي في المدينة المنورة .
منذ طفولتي المبكرة وأنا على مقاعد الدراسة اسم أستاذة وداد خليفة يتردد في المجالس، ذكرها عطر وأثرها وبصمتها واضحة للعيان والناس شهداء الله في أرضه وأهل المدينة كلهم أجمعوا على محبة وتقدير واحترام هذه السيدة الفاضلة والمربية القديرة.
حين تكون القيادة رسالة … تعد أستاذ وداد خليفة مسيرة ريادية صنعت أثرا مستداما في تعليم البنات بالمدينة المنورة؛ لم تكن القيادة عندها منصباً يُشغل، بل أمانة تُؤدى . في زمن البدايات ، حين كانت الرؤية تتشكل على أيدي نساء آمنّ بأن تعليم الفتاة ليس خياراً، بل ضرورة حضارية واستثمار في مستقبل الوطن. وقد أدركت الأستاذة وداد ، مبكراً ، أن بناء المدرسة هو بناء الإنسان، وأن تمكين المعلمة هو تمكين لجيل كامل.
القيادة حين تكون رسالة
في ندوة حوارية كان عنوانها: رائدات على خط التأسيس : الأستاذة وداد خليفة ومسيرة تعليم البنات في المدينة المنورة)اجتمعت نخبة من القياديات اللاتي عاصرن الأستاذة وداد وعملن معها ليحتفين بسيرتها العطرة مقدرات عطاءها في مرحلة البدايات ، تحدثن عن الحزم في إدارتها الذي كان مقرونا بالعدل، والنظام لم يكن غاية في ذاته، بل وسيلة لصناعة بيئة تعليمية منضبطة تحترم الوقت والعلم والإنسان. كانت تُصغي قبل أن تُقرر ، وتُوجّه دون أن تُقصي، وتحتضن المواهب الشابة بثقة تشعرهن أن القيادة ممكنة وأن الطموح مشروع.
ومن مواقفها التي تُروى للأجيال أنها كانت تقول لمعلماتها: أنتن لا تدرسن كتاباً فحسب، بل تصنعن وعياً. عبارة تختصر فلسفة تربوية سبقت زمنها، وتلتقي اليوم مع مستهدفات رؤية المملكة في بناء إنسان واعٍ.، معتز بهويته، قادر على المنافسة عالمياً.
ثقافة التكريم … ذاكرة المؤسسات الحية
إن تكريم القيادات التعليمية ليس احتفاءً عاطفياً بمرحلة مضت، بل هو فعل مؤسسي يعكس نضجاً إدارياً ووعياً بقيمة التوثيق واستدامة الأثر. فالمؤسسات التي تحفظ ذاكرتها، وتحفظ أسماء من صنعوا مسيرتها، هي مؤسسات قادرة على التجدد دون أن تفقد جذورها.
ومن هذا المنطلق تأتي مبادرة الإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنورة بقيادة سعادة المدير العام الأستاذ ناصر العبدالكريم لتسليط الضوء على القدوات الحقيقية صاحبة الأثر الممتد، بوصفها ممارسة رائدة في تعزيز ثقافة الامتنان ، وترسيخ قيم الانتماء، وإعادة الاعتبار للتاريخ التعليمي بوصفه أحد أعمدة الهوية المؤسسية و لتعيد للذاكرة الحية سيرتها العطرة لتكون نبراساً يحتذى به بين جيل اليوم من القياديات والمعلمات والطالبات ضمن مبادرة بُناة الإنسان وتحقيقاً لمعايير مدن التعلم ؛في ظل قيادة الرشيدة ورؤية وطنية عملاقة وعلى خطى التأسيس وتوثيق تاريخ وطن كان ومازال للمرأة السعودية دورها وبصمتها ووجدت كل الدعم من القيادة لتتعلم ولتمكن ولتتولي مناصب قيادية .
في هذا الاحتفاء اجتمعت نساء المدينة من مختلف الأجيال بكل حب وتقدير وامتنان لسيدة عظيمة زرعت حباً واحتراماً واخلاصاً لوطنها ودينها وللتعليم وللمجتمع المدني فحصدت كل الحب في مدينة لا تعرف إلا الحب والتقدير لكبارها ؛فما أجمل أن نكرم الكبير ونعرف قدره ونطبق المنهج النبوي عندما قال عليه الصلاة والسلام : ( ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا )حديث صحيح
من الوفاء إلى معايير مدن التعلم
إن هذا الحراك لا ينفصل عن توجهات مدن التعلم التي تتبناها منظمة اليونسكو، حيث يعد توثيق الخبرات المحلية، والاحتفاء بالقيادات الملهمة، وتعزيز التعلم مدى الحياة، جزءاً من معايير المدينة التي تتعلم.
وبقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان حفظه الله ترتقي المدينة كل يوم في منصات التتويج والريادة والتفوق في كل المجالات وبدعم سموه الكبير يحقق التعليم في المنطقة قفزات مباركة ليتصدر المشهد العلمي والثقافي والفكري والتفوق في كل المجالات.
باسم المدينة وأهلها أرفع أملاً ورغبة وحلماً أعيشه منذ سنوات وأرجو أن يتحقق قريبا ؛أرى في الأفق يوماً الذي أتجول فيه في شوارع المدينة وأجد أسماء نساء المدينة الرائدات يزين الشوارع وتسألني إحدى حفيداتي يوما عن سيرة أ. وداد خليفة أو أ. زينب مغربل ، أو الدكتورة ثريا عبيد، أو أ. نورة الخريجي وغيرهن من الرائدات وأحكي لهن عن أطيب الأثر وأجمل سيرة عطرة مازال رحيقها الطيب يعطر المكان وسيبقى ممتدا ما بقيت الأيام.



