بين العذر للنفس والقسوة على الآخرين

✍️ إبراهيم النعمي
في مشهدٍ يتكرر كثيرًا في حياتنا اليومية، نجد من يُجيد التماس الأعذار لنفسه في كل موقف، ويبرر أخطاءه بألف حجةٍ وسبب، بينما يقف موقفًا صارمًا من أخطاء الآخرين، لا يرى لهم عذرًا، ولا يمنحهم مساحةً من التفهم أو الرحمة. إنها ازدواجية المعايير التي تُرهق العلاقات الإنسانية، وتُضعف جسور الثقة بين الناس.
هذه السلوكيات لا تنشأ من فراغ، بل تعكس خللًا في ميزان العدل الداخلي لدى الإنسان؛ حيث يُضخّم مبرراته الشخصية، ويُصغّر من ظروف الآخرين، وكأنما ينظر إلى نفسه بعين العذر، وإلى غيره بعين الحكم.
لقد دعا الإسلام إلى ترسيخ مبدأ العدل والرحمة في التعامل مع الناس، فقال الله تعالى:
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾،
وهو توجيه رباني يرسّخ قيمة الإنصاف حتى في الكلمة والحكم.
كما أن النبي ﷺ أرشد إلى حسن الظن والتماس الأعذار، حين قال العلماء: “التمس لأخيك سبعين عذرًا”، وهو منهج أخلاقي يهدف إلى تهذيب النفس، وكبح جماح التسرع في إصدار الأحكام.
إن الإنسان المنصف هو من يُخضع نفسه لنفس المعايير التي يُخضع لها الآخرين، فلا يُبرر لنفسه ما يرفضه لغيره، ولا يُقسو على الناس بما لا يرضاه لنفسه. فالمواقف لا تُقاس بميزان الهوى، بل بميزان القيم.
وفي زمنٍ تتسارع فيه الأحكام، وتُختزل فيه المواقف في لحظات، نحن أحوج ما نكون إلى إعادة إحياء خُلق التماس الأعذار، والنظر إلى الآخرين بعين الرحمة لا بعين الإدانة.
إذا أردت أن تكون إنسانًا أكثر اتزانًا،
فاجعل لنفسك ميزانًا واحدًا:
اعذر كما تحب أن تُعذر،
وأنصف كما تحب أن يُنصفك الناس.
🌻🌺🌸



