مقالات و رأي

خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز: امتداداً لاستراتيجية المملكة في خدمة الحرمين الشريفين وتنمية الأوقاف.

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي..عضو هيئة تدريس سابق / جامعة أم القرى.
منذ أن أرسى الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ دعائم الدولة السعودية الحديثة، شكلت خدمة الحرمين الشريفين والعناية بالمقدسات الإسلامية والأوقاف أحد المرتكزات الجوهرية في فلسفة الدولة السعودية وهويتها السياسية والحضارية. فقد ارتبط مشروع التوحيد منذ بداياته بمسؤولية دينية وتاريخية تجاه مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو ما انعكس في سياسات الدولة ومشروعاتها المتعاقبة عبر مختلف المراحل.

وعلى امتداد عهود ملوك المملكة العربية السعودية ـ رحمهم الله ـ تواصل هذا النهج بصورة تراكمية مذهلة ومتنامية حيث شهد الحرمان الشريفان توسعات تاريخية متتابعة وتطورت كذلك منظومة الحج والعمرة والخدمات المرتبطة بها، كما حظيت الأوقاف بعناية خاصة باعتبارها أحد أهم أدوات التنمية الاجتماعية والتكافل الحضاري في الإسلام. وقد أسهم كل عهد في بناء مرحلة جديدة من التطوير والتحديث حتى أصبحت المملكة نموذجاً عالمياً في إدارة المقدسات الدينية وخدمة ملايين المسلمين القادمين من مختلف أنحاء العالم.

وفي هذا الامتداد التاريخي والاستراتيجي، جاء عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود يحفظه الله ليمثل مرحلة نوعية في تطوير منظومة الحرمين الشريفين وتعزيز البنية المؤسسية للأوقاف ضمن رؤية شاملة تجمع بين العمق الديني، والتخطيط التنموي، والتحول الحضاري المرتبط بمكانة المملكة الإقليمية والدولية.

فمنذ توليه مقاليد الحكم خفظه الله تبنى الملك سلمان رؤية استراتيجية تتجاوز مفهوم الرعاية التقليدية للحرمين الشريفين إلى بناء نموذج متكامل للإدارة المستدامة للمقدسات الإسلامية يقوم على التوسعات الكبرى، والتحول الرقمي، ورفع جودة الخدمات، وتحقيق أعلى معايير الكفاءة التشغيلية في إدارة الحشود والتنقل والخدمات اللوجستية.

وقد مثلت التوسعة السعودية الكبرى للمسجد الحرام أحد أبرز المشاريع الحضارية في العصر الحديث إذ لم تكن مجرد توسعة عمرانية تستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية فحسب بل مشروعاً استراتيجياً متعدد الأبعاد يدمج بين الهندسة المتقدمة، وإدارة الحشود، والاستدامة التشغيلية، واستخدام التقنيات الذكية في تنظيم حركة الزوار والطائفين. وأسهمت هذه المشاريع في تطوير البنية التحتية المحيطة بالحرم المكي بما يشمل الساحات والجسور والأنفاق وشبكات النقل الحديثة الأمر الذي عزّز قدرة المملكة على إدارة مواسم الحج والعمرة بكفاءة عالمية متقدمة.

كما ارتبطت هذه الجهود بإطلاق برنامج “خدمة ضيوف الرحمن” ضمن رؤية المملكة 2030، وهو أحد البرامج التنفيذية الكبرى التي تستهدف الارتقاء بتجربة الحاج والمعتمر والزائر من خلال تطوير منظومة التأشيرات، والنقل، والإرشاد، والخدمات الصحية والأمنية والرقمية ، ويعكس هذا البرنامج تحولاً مؤسسياً مهماً في فلسفة الإدارة الحكومية الحديثة حيث أصبحت خدمة الحجاج والمعتمرين جزءاً من استراتيجية التنمية الوطنية ومن أدوات القوة الناعمة التي تعزز الحضور السعودي عالمياً.

وفي المدينة المنورة شهد المسجد النبوي والمواقع الإسلامية المحيطة به مشاريع تطوير واسعة هدفت إلى تحسين البنية التحتية والخدمات والمرافق العامة، إضافة إلى مشروع توسعة مسجد قباء وتطوير المواقع التاريخية المرتبطة به بما يعزز البعد الحضاري والتاريخي للمدينة المنورة ويسهم في إثراء التجربة الدينية والثقافية للزائرين.

أما في قطاع الأوقاف، فقد برز تحولاً مؤسسياً لافتاً نقل العمل الوقفي من النمط الإداري التقليدي إلى مفهوم التنمية الوقفية المستدامة. وقد تجلى ذلك في دعم الهيئة العامة للأوقاف، وتطوير الأنظمة والتشريعات ذات العلاقة ورفع معايير الحوكمة والشفافية بما يضمن تعظيم الأثر الاجتماعي والاقتصادي للأوقاف وتحويلها إلى رافد تنموي فاعل يدعم قطاعات التعليم والصحة والإسكان والعمل الخيري والبحث العلمي.

وتبرز أهمية هذا التوجه في كونه يعيد إحياء الدور الحضاري التاريخي للأوقاف الإسلامية ولكن ضمن إطار حديث يعتمد على الإدارة الاحترافية والاستثمار المستدام والشراكات المؤسسية. فالأوقاف لم تعد مجرد أدوات خيرية تقليدية بل أصبحت جزءاً من الاستراتيجية الوطنية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية ومتسقة مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تعزيز مساهمة القطاع غير الربحي وتنويع الاقتصاد الوطني.

ومن منظور استراتيجي، يمكن قراءة هذه التحولات ضمن ثلاثة أبعاد رئيسية:
٠البعد الديني الذي يعزز مكانة المملكة بوصفها قلب العالم الإسلامي وحاضنة الحرمين الشريفين .
٠والبعد التنموي الذي يجعل من الخدمات الدينية والأوقاف قطاعاً اقتصادياً وتنموياً متكاملاً.
٠ ثم البعد الحضاري والإنساني الذي تسعى المملكة من خلاله إلى تقديم نموذج عالمي في إدارة المقدسات الإسلامية وتطوير التجربة الدينية باستخدام أحدث التقنيات والمعايير المؤسسية.

إن كل هذا الذي تحقق في المملكة العربية السعودية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مشاريع عمرانية أو إصلاحات إدارية متفرقة بل هو مشروع استراتيجي متكامل يعكس استمرارية النهج السعودي التاريخي في خدمة الإسلام والمسلمين ويؤكد أن العناية بالحرمين الشريفين وتنمية الأوقاف تمثلان ركيزة أساسية في الهوية الوطنية السعودية وفي دور المملكة الحضاري على المستوى العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى