التسوّل الإلكتروني وأثره على الأمن الاجتماعي

بقلم / د. ولاء بنت عبدالله
لم تعد ظاهرة التسوّل محصورة في الطرقات والأسواق، بل انتقلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ظهرت أنماط جديدة من طلب المال والمساعدات عبر المنشورات والرسائل الخاصة والبثوث المباشرة، مستندة في كثير من الأحيان إلى قصص مؤثرة تستدر عاطفة المتابعين دون تحقق واضح من صدق الحالة.
وتبرز هذه الظاهرة بوضوح في بعض بثوث تطبيق «تيك توك»، حيث يتحول طلب الدعم إلى محتوى يومي قائم على الهدايا الرقمية والتحويلات المالية، وقد يصل أحيانًا إلى استغلال الأطفال أو كبار السن أو المرضى لجذب التعاطف والمشاهدات. وهنا تتحول الحاجة الإنسانية من حالة تستوجب الدعم المنظم إلى مشهد رقمي قابل للتداول والربح.
وتكمن خطورة التسوّل الإلكتروني في أنه لا يمس الفرد وحده، بل يرتبط بالأمن الاجتماعي في المملكة العربية السعودية؛ لأنه يضعف الثقة بين أفراد المجتمع، ويفتح باب الاحتيال، ويشوّه صورة العمل الخيري المنظم الذي تقوم عليه الجهات الرسمية والجمعيات الموثوقة. كما أن تكرار حالات الخداع قد ينعكس سلبًا على المحتاجين الحقيقيين، حين يصبح الناس أكثر ترددًا في تقديم المساعدة.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تعني إغلاق باب الرحمة، بل حمايته من الاستغلال. فالمجتمع السعودي عُرف بقيم التكافل والتراحم، وهذه القيم تحتاج اليوم إلى وعي رقمي ومسؤولية مجتمعية، من خلال عدم التفاعل مع طلبات مجهولة المصدر، وتوجيه التبرعات عبر القنوات الرسمية التي تحفظ كرامة المحتاج وتضمن وصول الدعم لمستحقيه.
وفي النهاية، يبقى العطاء قيمة نبيلة، لكن تنظيمه ضرورة لحماية المجتمع من الفوضى الرقمية والاحتيال، وتعزيز الأمن الاجتماعي القائم على الثقة والمسؤولية وصون كرامة الإنسان.



