ثقافة و فن

ليلةٌ انتصرت فيها القصيدة… حسن الصلهبي يضيء مسرح أدبي جازان

جازان – حمد دقدقي
في مساءٍ ازدانت فيه جازان بالشعر، وتوشح المسرح بألق الحرف، احتضنت جمعية أدبي جازان، مساء الخميس 25 يونيو 2026، أمسيةً شعرية استثنائية للشاعر والأديب والمترجم ورئيس جمعية الأدب بجازان الأستاذ حسن الصلهبي، في لقاءٍ ثقافي جاء ثمرةً للتعاون بين نادي المبدعين الثقافي وجمعية أدبي جازان، وسط حضورٍ لافت من الأدباء والمثقفين ومحبي الشعر.

استهلت الإعلامية الأستاذة فاطمة السبعي الأمسية بكلمة ترحيبية أنيقة، مهدت بها لرحلة شعرية حملت الجمهور إلى فضاءات الجمال، قبل أن تقدم قراءةً ثرية في تجربة الضيف، مستعرضةً ملامح مشروعه الإبداعي الذي جمع بين الشعر والترجمة والأدب، في تقديمٍ اتسم بالعمق والثقافة.

منذ اللحظات الأولى، بدا حسن الصلهبي شاعرًا يكتب بالصوت كما يكتب بالقلم، فاستهل حديثه بالإشارة إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يعتلي فيها منصة جمعية أدبي جازان شاعرًا، معربًا عن امتنانه لنادي المبدعين على هذه المبادرة التي جمعت الكلمة بأهلها.
وانطلقت محاور الأمسية لتلامس تفاصيل التجربة الإبداعية، حيث تحدث الصلهبي عن الكتابة بوصفها متنفسًا للروح، مؤكدًا أن الإبداع كثيرًا ما يولد من رحم المعاناة، وأن القصيدة ليست كلمات تُكتب فحسب، بل حياة تُعاش قبل أن تُروى.

وفي لحظاتٍ امتزج فيها الشعر بالأداء، ألقى الضيف باقةً من نصوصه التي أسرت الحضور، فتنقل بين قصائد الرحيل والعراف والسندباد، مستحضرًا دهشة الصورة الشعرية، فيما بدا الجمهور منصتًا بكل جوارحه، يتذوق الكلمة ويلاحق إيقاعها في ليلةٍ ازدانت بعاشوراء الشعر، وكان السندباد فيها دليلًا إلى مرافئ الدهشة.

وأدارت الإعلامية فاطمة السبعي حوارًا ثريًا مع الضيف، تناول تجربته في الترجمة، وكيف استطاع أن يمزج بين اللغة العربية والإنجليزية دون أن يفقد النص روحه الشعرية، كما ناقشته حول موقفه من القصيدة العمودية، وتأثره بالتجارب الشعرية الإنجليزية، وأقرب القصائد إلى وجدانه، إضافةً إلى رؤيته لمدينة جازان التي وصفها بأنها قصيدةٌ عابقة، تولد فيها الحكايات كما يولد الشعر، وتتنفس الأدب كما تتنفس البحر والجبال.

كما توقف الحوار عند العلاقة بين العنوان والقصيدة، أيهما يولد أولًا، واستعرض الشاعر تجربته في شعر المعارضة، فقرأ قصيدة الفل على غرار إحدى قصائد الشاعر علي النعمي، قبل أن يختتم قراءاته بمختارات من إصداره امرؤ القيس.

وفي باب المداخلات التي بدأ بها الدكتور فيصل طميحي دار نقاش ثري حول ترجمة الشعر، والصعوبات التي تواجه نقل القصيدة من لغة إلى أخرى، حيث أكد الصلهبي أن ترجمة الشعر ليست نقلًا للكلمات، وإنما نقلٌ لروح الشاعر وإيقاعه وصوره، وهي من أكثر أنواع الترجمة تعقيدًا.

وأشاد الأديب محمد النعمي بتجربة حسن الصلهبي، واصفًا إياه بأنه أحد الرموز الثقافية السعودية، وأن قصيدته استطاعت أن تتجاوز القوالب التقليدية، لتصنع لغتها الخاصة، بما تحمله من إيحاءات وصور غير مألوفة، مشيرًا إلى أن الصلهبي يشبه العازف الذي يعرف تمامًا كيف يمنح كل كلمة نغمتها، وكل صورة ضوءها.

كما أثنى الأستاذ حسين مريع على إدارة الإعلامية فاطمة السبعي للأمسية، مؤكدًا أنها أدهشت الحضور بثقافتها، وحضورها الذهني، وقدرتها على إدارة الحوار بأسلوب رصين أتاح للشاعر أن يكشف الكثير من أسرار تجربته.

واختتم حسن الصلهبي الأمسية بقراءة قصيدته المؤثرة “قارئة بين السطور… خائنة الشبه”، في لحظةٍ امتزج فيها الصمت بالإعجاب، قبل أن تختتم الأستاذة فاطمة السبعي اللقاء بكلمات الشكر والتقدير للحضور، مؤكدةً أن الشعر سيظل نافذةً مشرعةً على الجمال.

وفي ختام الأمسية، كرّمت جمعية أدبي جازان ونادي المبدعين الثقافي ضيف الأمسية الأستاذ حسن الصلهبي، كما تم تكريم الإعلامية الأستاذة فاطمة السبعي، تقديرًا لتميزها في إدارة الحوار وإثراء الأمسية.

كانت ليلةً لم يكن الشعر فيها مجرد قصائد تُلقى، بل كان روحًا تحلّق فوق المسرح، وصوتًا يعانق الوجدان، وموعدًا جديدًا بين جازان والإبداع. ليلةٌ أكدت أن الكلمة الجميلة ما زالت قادرة على أن تجمع القلوب، وأن تجعل من القصيدة وطنًا صغيرًا يسكنه الجميع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى