حين اخترت الانسحاب

بقلم: إيمان القحطاني
كنت أقاتل حتى أثقلتني الخطى، وحتى لم يبقَ في يدي سيف إلا أنهكته كثرة المواجهات.
خضت معارك كثيرة، ثم اكتشفت متأخرًا أن بعض الانتصارات لا تحمل في نهايتها سوى خسارة مؤجلة، وأن أعظم ما انتصرت فيه لم يكن حين غلبت الآخرين، بل حين تركت معاركهم خلفي، وعدت إلى معركتي الوحيدة التي تستحق.
معركة صحتي، وسلامي، وطمأنينتي، وملامحي التي غابت عني طويلًا حتى كدت أنسى من تكون.
كنت أمر أمام المرآة كعابرٍ يخشى التوقف، أشيح بنظري عنها، وكأن تجاهلها سيخفف من قسوة الحقيقة.
ثم أدركت أن كل خطٍ ارتسم على وجهي لم يكن علامة انكسار، بل أثر طريق طويل سرت فيه، وأن تلك الملامح تشبه الخطوط التي ينقشها السجين على جدار زنزانته، لا ليحصي الأيام، بل ليؤمن أن للحرية موعدًا.
قاتلت كثيرًا حتى استقر التعب في عظامي، وحتى صار النزف يسكن الروح قبل الجسد.
حملت ندوب الخذلان، وآثار الطعنات التي لا تصنعها السيوف، بل يتركها الأقرب، وأهدرت أعوامًا من عمري في ساحاتٍ لم تكن تدافع عن الكرامة، بل عن غرورٍ يتخفى في ثوبها.
واليوم فقط اكتملت الصورة أمامي.
كنت أشبه ببطلٍ في فيلم يتابع الناس مشاهده؛ يصفقون كلما نهض، ويترقبون كل سقوطٍ وكأنه جزء من الحكاية.
وحين وصلت إلى سقوطي الأخير، مددت يدي أفتش عمن يرفعني، فلم أجد سوى الهواء يعبر بين أصابعي، باردًا وصامتًا، يخبرني بحقيقة واحدة: كنت أخوض كل تلك المعارك وحدي.
حينها فهمت الدور الذي كنت أؤديه، فغادرته بهدوء، كمن يترك مسرحًا انطفأت أضواؤه قبل إسدال الستار.
تركت اسمي يغيب عن مقدمة المشهد، وانسحب الضوء الذي كان يلاحقني في كل فصل.
وبقي مكاني فراغ… لكنه لم يكن نقصًا كما ظنوا، بل كان أول مساحة اتسعت لروحي منذ سنوات.
بعض الانسحابات ليست هروبًا…
إنها عودة متأخرة إلى الذات.
وبعض الأماكن التي نغادرها لا يملؤها أحد…
لأنها لم تكن لنا منذ البداية.



