إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

سقطت الأقنعة… وبقيت الرياض

د/ فدغوش بن ذياب
كاتب وباحث في القانون والاقتصاد السياسي والتشريعات الاقتصادية .

الرياض بعد انكشاف المواقف

ليست الأزمات وحدها ما يختبر الدول؛ أحيانًا تختبرها المواقف المحيطة بها.

ففي الأيام الهادئة، تبدو التحالفات أكثر صلابة مما هي عليه في الواقع، وتبدو الكلمات أكبر من وزنها الحقيقي. أما حين تضطرب المنطقة، وتقترب النار من الحدود، وتتغير حسابات العواصم، تسقط الزوائد كلها، ويبقى السؤال البسيط الذي لا تجيب عنه البيانات: من يبقى حين يصبح البقاء مكلفًا؟

السعودية تعرف هذا السؤال جيدًا.

لقد عاشت خلال العقد الماضي في قلب واحدة من أكثر مراحل المنطقة اضطرابًا، وواجهت تهديدات متعددة، وتبدلت أمامها مواقف، وتغيرت حسابات، واكتشفت أن السياسة الدولية لا تُدار دائمًا بما تقوله الصداقات، وإنما بما تحتمله المصالح.

واليوم، مع عودة التصعيد الحوثي، تبدو الرياض مختلفة عن الرياض التي عرفها المشهد قبل سنوات.

ليس لأنها لم تعد تواجه الخطر، بل لأنها أصبحت أكثر خبرة في قراءته.

حين لا تكفي الإدانة

الهجمات الحوثية على السعودية ليست جديدة، لكن دلالتها في السياق الراهن مختلفة.

فاستهداف المملكة لا يقف عند حدود اعتداء عابر؛ إذ يتصل بأمن الطاقة، والممرات البحرية، والتجارة الدولية، والاستقرار الإقليمي، فضلًا عن أن محاولة استهداف مكة المكرمة قبلة المسلمين تضع التصعيد في مستوى بالغ الحساسية.

وقد صدرت بالفعل إدانات عربية وخليجية ودولية للهجمات، وهو موقف سياسي مهم في حد ذاته.

لكن الرياض، بحكم التجربة، تعرف أن هناك مسافة بين الإدانة والمشاركة في تحمل الخطر.

لا يعني ذلك أن كل من لم يقدم دعمًا عسكريًا مباشرًا هو خصم، ولا أن الدول مطالبة جميعًا باتخاذ الموقف نفسه؛ فلكل دولة حساباتها وسياساتها والتزاماتها.

لكن هذه التباينات تمنح السعودية معلومة ثمينة: معرفة حدود كل علاقة، وحجم كل شراكة، ومقدار ما يمكن أن يُبنى عليه في اللحظة الحرجة.

وهذه المعرفة ليست خصومة مع أحد.

إنها نضج سياسي.

الحوثي والدرس الذي جاء من جهة أخرى

المفارقة أن الخطر الحوثي، الذي يريد الضغط على السعودية، قد يكون ساهم في ترسيخ قناعة سعودية أوسع: أن أمن الدولة لا ينبغي أن يكون مشروعًا بالوكالة.

فالدولة التي تعتمد على قوة غيرها قد تجد نفسها قوية ما دام الآخر حاضرًا، لكنها تصبح مكشوفة عندما تتغير أولويات ذلك الآخر.

أما الدولة التي تبني قدراتها بنفسها، فتدخل التحالفات من موقع الشريك لا من موقع المحتاج.

وهنا تكمن إحدى التحولات المهمة في السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة.

الرياض لم تعد تبحث عن حليف يحمل عنها عبء قوتها.

إنها تبني قوتها، ثم تختار حلفاءها.

سنوات كشفت الوجوه

ليس الصديق الحقيقي هو الأكثر حديثًا عن الصداقة، كما أن الصديق الوهمي ليس بالضرورة عدوًا معلنًا.

قد يكون الوهم في الاعتقاد بأن العلاقات السياسية ثابتة مهما تغيرت الظروف.

وقد يكون في تحويل الشراكة إلى ثقة مطلقة، أو تفسير المصالح المشتركة باعتبارها التزامًا دائمًا في كل ظرف.

لكن الأزمات أكثر صراحة من الخطابات.

هي لا تطلب من أحد أن يعلن شيئًا؛ يكفي أن تتغير الكلفة حتى يظهر الوزن الحقيقي للموقف.

والسعودية، التي مرت بهذا الاختبار أكثر من مرة، تبدو اليوم أقل انشغالًا بعدد من يقفون حولها، وأكثر اهتمامًا بنوعية العلاقات التي تستطيع الصمود عندما تتغير الحسابات.

وهذا ربما هو أحد أهم دروس المرحلة:

السعودية الجديدة لا تغلق الأبواب… لكنها لا تسلم المفاتيح

وهذه نقطة تستحق التأمل.

السعودية لا تتحرك بمنطق الانعزال.

على العكس، وسعت خلال السنوات الأخيرة علاقاتها الدولية، ونوعت شراكاتها، وفتحت مسارات جديدة مع قوى اقتصادية وسياسية مختلفة.

لكن الانفتاح شيء، وتسليم القرار شيء آخر.

فالدولة الواثقة تستطيع أن تتعاون مع واشنطن وبكين وموسكو وإسلام آباد والعواصم العربية، وأن تختلف مع بعضها في ملفات وتتفق في أخرى، من دون أن تجعل سياستها الخارجية أسيرة لعلاقة واحدة.

وهذا هو المعنى الحقيقي للاستقلال السياسي:

أن تكون لك أبواب كثيرة، من دون أن يكون مفتاح بيتك في جيب أحد.

محمد بن سلمان… حين تصبح القوة مشروع دولة

في قراءة هذا التحول، يحضر اسم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بوصفه قائد مرحلة سعودية أعادت تعريف مفهوم القوة.

القوة في هذه الرؤية ليست عسكرية فقط.

هي اقتصاد قادر على الصمود، واستثمار يصنع النفوذ، وتقنية تقلل الاعتماد، وصناعة ترفع القدرة الذاتية، وشراكات متعددة تمنح الدولة خيارات أوسع، ودبلوماسية تترك للرياض مساحة للمناورة بدل وضعها داخل زاوية ضيقة.

ومن هنا فإن مشروع بناء السعودية لا يمكن قراءته منفصلًا عن بيئتها الأمنية.

فالدولة التي تريد أن تكون صاحبة قرارها تحتاج إلى اقتصاد يسند قرارها، وإلى مؤسسات تحميه، وإلى قدرة دفاعية تمنع الآخرين من تحويل التهديد إلى ابتزاز.

وهذا ما يجعل التحول السعودي أعمق من مجرد رد فعل على الحوثي أو على أزمة إقليمية بعينها.

إنه انتقال من إدارة التهديد إلى بناء القدرة على مواجهته.

السعودية… صمام أمان أم هدف دائم؟

لطالما ارتبط استقرار المنطقة باستقرار السعودية.

موقعها، وثقلها الاقتصادي، ودورها في أسواق الطاقة، ومكانة الحرمين الشريفين، وصلتها بممرات التجارة البحرية، كلها تجعل ما يحدث داخل محيطها يتجاوز حدودها.

ولهذا فإن محاولة استهداف السعودية ليست قضية سعودية خالصة عندما يتعلق الأمر بالطاقة والتجارة والملاحة والأمن الإقليمي.

لكن المفارقة أن الدولة التي يُنتظر منها أن تكون عامل استقرار للمنطقة لا يمكن أن تؤدي هذا الدور وهي منشغلة في كل مرة بإقناع الآخرين بأنها تستحق الحماية.

لذلك تبني الرياض معادلة أكثر صلابة:

أن تكون قوة استقرار، لأنها قوية؛ لا أن تكون قوية فقط لأن الآخرين قرروا حمايتها.

من يقرأ المشهد من الرياض؟

ربما لا تنظر السعودية إلى ما يحدث باعتباره معركة مع الحوثي فقط.

إنها تقرأ المشهد الأوسع.

تقرأ التحولات في المنطقة.

تقرأ مصالح الدول.

تقرأ المسافة بين التصريح والفعل.

وتقرأ المستقبل.

وهذه القراءة هي التي تجعل الموقف السعودي أكثر هدوءًا مما قد يتوقعه البعض.

فالدول التي تثق بقدرتها لا تحتاج إلى الانفعال عند كل اختبار.

تتعلم، تعيد الحسابات، تغير الأدوات، وتواصل طريقها.

الخاتمة: لم تعد الرياض تنتظر أن يأتيها الأمان

لقد تغيرت السعودية.

ليس لأن العالم أصبح أكثر لطفًا معها، ولا لأن التهديدات اختفت، بل لأنها أصبحت أكثر معرفة بالعالم وبطبيعة المصالح التي تحكمه.

تعلمت من الحليف، ومن المتردد، ومن صاحب البيان، ومن صاحب الفعل.

تعلمت أن بعض الصداقات عميقة، وبعضها تحكمه اللحظة، وأن بعض التحالفات متينة ما دامت المصالح متقاطعة.

لكنها تعلمت شيئًا أهم:

أن أفضل ضمانة لعلاقاتها الخارجية هي أن تكون هي نفسها قوية.

لهذا لا تبدو السعودية اليوم في موقع من ينتظر أن يأتي الآخرون لينقذوه.

إنها تبني قدراتها، وتوسع خياراتها، وتحافظ على تحالفاتها، وتدافع عن مصالحها، وتترك للآخرين مساحة الوقوف معها من دون أن تجعل وقوفهم شرطًا لوقوفها.

وفي قلب هذه المرحلة يقف محمد بن سلمان، قائد مشروع سعودي يريد نقل المملكة من موقع التأثر بتقلبات المنطقة إلى موقع أكثر قدرة على التأثير فيها، ومن دولة تتعامل مع الأزمات عند وقوعها إلى دولة تبني أدواتها قبل أن تصل إليها الأزمة.

قد تتغير مواقف العواصم.

وقد تتبدل التحالفات.

وقد يقترب اليوم من يبتعد غدًا.

لكن الدولة التي بنت قوتها لا تتغير بتغير الآخرين.

وهنا ربما تكمن خلاصة الدرس السعودي كله:
لم تكن المشكلة يومًا في أن تعرف السعودية من هو صديقها.
المشكلة كانت أن تتخيل أن الصداقة وحدها تكفي لحماية الدول.

أما اليوم، فقد أصبحت المعادلة أكثر وضوحًا:

نرحب بالصديق، نقدر الحليف، نحترم الشريك… لكننا لا نسلم أحدًا مفاتيح أمننا.
فالرياض لم تسقط حين انكشفت بعض المواقف.

الرياض تعلّمت.

ثم رفعت رأسها، وأكملت الطريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى