جازان تودّع «أبو صابر».. 70 عامًا من الشاي والحكايات في ذاكرة السوق الداخلي

جازان – نوال العمودي
ودّعت منطقة جازان العم سالم محمد أبو صابر، أحد أقدم وأشهر بائعي الشاي في السوق الداخلي، عن عمر ناهز 90 عامًا، بعد مسيرة امتدت لأكثر من سبعة عقود، تحوّل خلالها دكانه الصغير إلى معلم تراثي ارتبط بذاكرة المكان وأهالي المنطقة وزوارها.
بدأت رحلة العم سالم في المملكة منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، حين وصل قادمًا من اليمن وهو في الثانية عشرة من عمره، ليبدأ العمل في إعداد وبيع الشاي، قبل أن يستقر في دكانه المتواضع بالسوق الداخلي في جازان.

ومع مرور السنوات، لم يعد الدكان مجرد مكان لبيع الشاي، بل أصبح جزءًا من المشهد اليومي للسوق، ومحطة اعتاد الأهالي والزوار المرور بها، حتى غدا اسم صاحبه مرتبطًا بالمكان وذاكرته.
شاي بالحبق والنعناع.. وحكايات لا تُنسى
اشتهر العم سالم بإعداد الشاي بنكهات الحبق والنعناع، وبطريقته البسيطة التي جعلت من كوب الشاي تجربة تتجاوز مذاقه إلى دفء اللقاء وحديث الذكريات.
وكان دكانه مقصدًا للصغير والكبير، يستمع فيه الزوار إلى حكاياته العفوية وأحاديثه التي تختزل سنوات طويلة من الحياة والعمل ومشاهدة التحولات التي مرت بها المدينة.
كما عُرف الراحل بدماثة خلقه وبشاشته وحسن تعامله مع الجميع، فيما كان صوت المذياع الهادئ وتلاوة القرآن يضفيان على دكانه أجواءً خاصة رسخت صورته في ذاكرة مرتادي السوق.
رجل عاصر التحولات وبقي وفيًا لمهنته
على مدى أكثر من 70 عامًا، عاصر العم سالم أجيالًا متعاقبة، وشهد التحولات التي طرأت على جازان وأسواقها وأحيائها، لكنه ظل متمسكًا بمهنته ودكانه، محافظًا على حضوره اليومي وعلاقته الوثيقة برواد السوق.
ولم يكن ارتباط الناس به نابعًا من الشاي الذي يقدمه فحسب، وإنما من شخصيته الإنسانية البسيطة، التي جعلته قريبًا من الجميع، حتى أصبح بالنسبة لكثيرين جزءًا من تفاصيل حياتهم وذكرياتهم.
رحيل رجل وبقاء الذاكرة
برحيل العم سالم محمد أبو صابر، تفقد جازان واحدًا من الوجوه التي ارتبطت بذاكرة سوقها الداخلي، وتُطوى صفحة من صفحات المكان التي عاشها لأكثر من سبعة عقود.
وسيظل دكانه، وما ارتبط به من قصص ووجوه وذكريات، شاهدًا على مرحلة من تاريخ السوق، فيما تبقى سيرته مثالًا لرجل عاش بسيطًا، وعمل بإخلاص، وترك أثرًا إنسانيًا تجاوز حدود مهنته ومكانه.
رحم الله العم سالم محمد أبو صابر، وجبر مصاب أهله ومحبيه، وأبقى ذكراه الطيبة في ذاكرة جازان وأهلها.



